طاطا ومركز تصفية الدم.. حين يصبح النقد اختبارا للعمل الجمعوي
"جريدة أصوات"
أثار الجدل الذي رافق صورة وجبة فطور قدمت لأحد مرضى السكري أثناء خضوعه لحصة تصفية الدم بمركز طاطا نقاشا يتجاوز مكونات الوجبة نفسها ليطرح أسئلة حول جودة الخدمات المقدمة للمرضى وحدود العلاقة بين العمل الجمعوي وحق المستفيدين في التعبير عن ملاحظاتهم والمطالبة بتحسين ظروف الرعاية.
وتصاعد النقاش عقب تداول رد مصور لأحد أعضاء الجمعية المشرفة على المركز تضمن بحسب ما ورد في التصريحات المتداولة أوصافا من قبيل «اللئام» و«مرضى النفوس» و«ناكري الجميل» في خطاب أثار تساؤلات حول كيفية التعامل مع الانتقادات المرتبطة بمرفق يقدم خدمة صحية واجتماعية لفئة تعيش ظروفا صحية ونفسية صعبة.
ولا يتعلق الأمر هنا بالحكم المسبق على ملابسات الواقعة أو مدى ملاءمة الوجبة موضوع الجدل للاحتياجات الصحية للمريض بقدر ما يتعلق بضرورة فتح نقاش مسؤول يضع سلامة المرضى وكرامتهم في صدارة الأولويات ويتيح توضيح حقيقة ما حدث استنادا إلى معطيات دقيقة.
ويظل إحداث مركز لتصفية الدم بمدينة طاطا سنة 2013 مكسبا مهما للمرضى وأسرهم، بالنظر إلى الدور الذي يؤديه في تقريب العلاج وتخفيف أعباء التنقل إلى مدن أخرى.
كما أن تثمين الجهود التي بذلتها الجمعية وشركاؤها لإنشاء هذا المرفق واستمرار خدماته أمر مشروع، غير أن الاعتراف بهذه المساهمات لا يعني إعفاء القائمين على تدبيره من المساءلة أو اعتبار الخدمات المقدمة بمنأى عن التقييم والتحسين.
فالعمل الجمعوي مهما بلغت أهمية تضحيات القائمين عليه يقوم أساسا على خدمة المواطنين والاستجابة لحاجاتهم، ولا يمكن أن يتحول ما تحقق من إنجازات إلى سبب يمنع المستفيدين من إبداء ملاحظاتهم أو المطالبة بتطوير الخدمات.
كما أن الحق في التعبير عن الشكاوى لا يرتبط بمدى مساهمة الشخص ماديا في المركز أو انخراطه السابق في المبادرات التضامنية.
ومن هذا المنطلق، فإن النقاش بشأن وجبة الفطور كان يستدعي توضيحات عملية حول مكوناتها وظروف إعدادها وتقديمها، ومدى مراعاة الاحتياجات الغذائية للمريض المعني خصوصا في ظل إصابته بداء السكري وخضوعه لحصة علاجية منتظمة.
فملاءمة التغذية للحالة الصحية مسألة ينبغي أن تستند إلى التوجيهات الطبية والمعايير المعتمدة لا إلى الانطباعات أو السجالات الشخصية.
وإذا كانت مسؤولية إعداد الوجبات أو توزيعها تقع على عاتق الطاقم الطبي أو الإداري كما ورد في بعض التصريحات فإن ذلك يستوجب توضيح الاختصاصات وتحديد المسؤوليات بناء على معطيات موثوقة بدل تبادل اللوم أو ترك المرضى وأسرهم أمام روايات متباينة لا تجيب عن تساؤلاتهم الأساسية.
كما أن التساؤل عما قدمه المنتقدون للمرضى أو عما إذا كانوا قد ساهموا ماليا في المركز، لا يحسم جوهر القضية. فالمستفيد من خدمة صحية لا يحتاج إلى إثبات مساهمته في العمل الخيري حتى يحق له إبداء رأيه في جودة الخدمات التي يتلقاها، مثلما لا ينبغي أن تكون المساعدات السابقة مبررا لتجاهل الملاحظات الحالية.
وتزداد أهمية هذا المبدأ عندما يتعلق الأمر بمرضى تصفية الدم، الذين يحتاجون إلى رعاية مستمرة وظروف تحفظ كرامتهم وتمنحهم الشعور بالأمان.
فاستحضار الصعوبات التي كان المرضى يواجهونها قبل افتتاح المركز لا ينبغي أن يتحول إلى حجة لرفض تطوير الخدمات بل إلى دافع للحفاظ على المكتسبات وتعزيزها ومعالجة أي نقائص قد تظهر مع مرور الوقت.
وفي المقابل، تقتضي الموضوعية عدم إصدار أحكام نهائية بشأن الواقعة قبل التحقق من جميع تفاصيلها والاستماع إلى مختلف الأطراف المعنية، بما فيها المريض والطاقم الطبي والإداري والجمعية المشرفة على المركز. فالمساءلة المسؤولة لا تعني التشهير أو التشكيك في النوايا وإنما تعني البحث عن الحقيقة وتحديد المسؤوليات واقتراح الحلول المناسبة.
أما استعمال أوصاف جارحة في مواجهة المنتقدين فلا يقدم إجابات عن الأسئلة المطروحة، وقد يساهم في خلق مناخ يجعل بعض المستفيدين مترددين في التعبير عن ملاحظاتهم.
لذلك، تظل لغة الاحترام والحوار ضرورة في تدبير الخلاف خصوصا داخل المرافق التي تستقبل أشخاصا يحتاجون إلى الدعم والرعاية.
وتبرز، في هذا السياق، أهمية تدخل الجهات المختصة والشركاء المعنيين كل في نطاق اختصاصه لتوضيح ظروف الواقعة والتحقق من مدى ملاءمة الوجبة المقدمة وتحديد المسؤوليات عند الاقتضاء، فضلا عن تعزيز آليات واضحة لتلقي شكاوى المرضى ومعالجتها بجدية وشفافية بما يضمن عدم تعرض أي مستفيد للضغط بسبب التعبير عن رأيه.
إن مركز تصفية الدم بطاطا ليس ساحة للتجاذب بين من يستحضرون المجهودات السابقة ومن يطالبون بتحسين الخدمات بل مرفق حيوي ينبغي أن تظل مصلحة المرضى فيه المعيار الأول لتقييم الأداء.
وتثمين العمل الجمعوي لا يتعارض مع النقد البناء، بل إن القدرة على الاستماع إلى المستفيدين وتصحيح الاختلالات المحتملة تمثل جزءا أساسيا من نجاح أي مبادرة تضامنية.
وفي نهاية المطاف، لا يحتاج مرضى تصفية الدم بطاطا إلى سجالات تنتقص من كرامة المنتقدين أو تستحضر الماضي لإغلاق النقاش بقدر ما يحتاجون إلى خدمات آمنة وملائمة وإلى قنوات تواصل تتيح لهم التعبير عن احتياجاتهم دون تخوف.
فاحترام المريض ليس فضلا يمنح له بل مبدأ أساسي في كل عمل صحي واجتماعي والاعتراف بالمجهودات المبذولة لا يلغي الحق في المطالبة بتطويرها.

التعليقات مغلقة.