تتواصل الضغوط على القدرة الشرائية للأسر المغربية في ظل ارتفاع أسعار عدد من المواد الغذائية الأساسية، وفي مقدمتها الخضر، التي تشكل مكونًا رئيسيًا في الاستهلاك اليومي للأسر، خصوصًا ذات الدخل المحدود والمتوسط.
وتعيد التطورات المسجلة في أسواق الخضر النقاش حول فعالية آليات مراقبة الأسعار، وتنظيم مسالك التوزيع، وحماية المستهلك من الزيادات التي تثقل كاهل ميزانية الأسرة.
البصل بين سوق الجملة والبيع بالتقسيط
تشكل أسعار البصل مؤشرًا ملموسًا على حجم الضغط الذي يواجهه المستهلك المغربي. فبحسب معطيات منشورة حول أسعار الأسواق بجهة الدار البيضاء–سطات يوم الثلاثاء 20 أكتوبر 2026، تراوح سعر البصل بالتقسيط بين 4 و6 دراهم للكيلوغرام، فيما سجل سوق الجملة بالدار البيضاء، يوم 18 أكتوبر، أسعارًا تراوحت بين 4.5 و5.5 دراهم للكيلوغرام. 1
وتختلف هذه الأسعار بحسب جودة المنتوج ومصدره والسوق المعنية وتكاليف النقل والتوزيع، لذلك لا يمكن اعتمادها باعتبارها سعرًا موحدًا في جميع المدن المغربية.
وتطرح هذه الأرقام تساؤلات حول الفارق بين سعر اقتناء المنتوج في أسواق الجملة والثمن النهائي الذي يؤديه المستهلك، ومدى انعكاس تكاليف الوساطة والنقل والتخزين على السعر الذي يصل إلى المواطن.
القدرة الشرائية.. معادلة تتجاوز ثمن الخضر
لا يرتبط تراجع القدرة الشرائية بارتفاع سعر مادة واحدة، بل بتراكم تكاليف المعيشة، من الغذاء إلى السكن والنقل والتعليم والصحة. وعندما ترتفع أسعار المواد الأساسية، تضطر الأسر إلى إعادة ترتيب نفقاتها، وتقليص مشترياتها أو البحث عن بدائل أقل كلفة.
وتزداد حدة هذه الضغوط لدى الأسر التي لا تواكب مداخيلها تطور النفقات اليومية، الأمر الذي يجعل ضبط الأسعار وتحسين دخل المواطنين من القضايا الاجتماعية والاقتصادية ذات الأولوية.
من الفلاح إلى المستهلك.. أين تكمن المشكلة؟
يرتبط ارتفاع أسعار الخضر بعدة عوامل محتملة، من بينها التقلبات المناخية، وتراجع العرض خلال الفترات الانتقالية بين المواسم الفلاحية، وتكاليف الإنتاج والنقل، فضلًا عن تعدد حلقات الوساطة التجارية.
وقد أشار مهنيون في سوق الجملة إلى أن الانتقال بين المواسم الفلاحية وتراجع المعروض من بعض المنتجات ساهما في ارتفاع أسعار عدد من الخضر خلال أكتوبر الجاري. كما أثار فاعلون في مجال حماية المستهلك مسألة تعدد الوسطاء والحاجة إلى تنظيم مسالك التوزيع. 2
غير أن تحديد المسؤولية عن أي زيادة بعينها يقتضي معطيات دقيقة حول كلفة الإنتاج والنقل والتخزين وهوامش الربح، بدل الاكتفاء بتوجيه الاتهامات أو اعتبار كل ارتفاع دليلًا على المضاربة.
ما المطلوب لحماية المستهلك؟
إن معالجة الضغط على القدرة الشرائية تتطلب مقاربة عملية تقوم على تعزيز شفافية الأسعار، وتكثيف المراقبة في أسواق الجملة ونقط البيع بالتقسيط، والتصدي للممارسات غير المشروعة التي تضر بالمنافسة والمستهلك.
كما تبرز أهمية تقوية الربط المباشر بين المنتجين والأسواق، وتحسين ظروف التخزين والتوزيع، ونشر معطيات دورية وموثوقة حول أسعار المواد الأساسية، بما يسمح للمواطن بمعرفة مستويات الأسعار ومقارنة الفوارق بين الأسواق.
ولا يقل أهمية عن ذلك تقييم أثر السياسات الاجتماعية والأجور على المعيشة اليومية، لأن حماية القدرة الشرائية لا تتحقق بالمراقبة وحدها، بل تحتاج أيضًا إلى دخل قادر على تغطية الحاجيات الأساسية.
القدرة الشرائية معيار لنجاعة السياسات العمومية
إن أسعار البصل وغيرها من الخضر ليست مجرد أرقام في لوائح الأسواق، بل تعكس جانبًا من العلاقة اليومية بين المواطن والاقتصاد. فحين تصبح المواد الأساسية مصدر قلق مستمر للأسر، يصبح تحسين القدرة الشرائية اختبارًا حقيقيًا لنجاعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية.
ويبقى الرهان هو تحقيق توازن عادل بين ضمان دخل مناسب للفلاح، وهوامش تجارية معقولة للمهنيين، وسعر نهائي يحفظ للمستهلك حقه في الولوج إلى الغذاء بأسعار مناسبة.

السابق بوست
التعليقات مغلقة.