أعمال معاصرة تستعيد الذاكرة والهوية وتعيد قراءة التاريخ الفني من منظور نقدي وجمالي
شهدت العاصمة البريطانية لندن تنظيم دورتي «فريز لندن» و«فريز ماسترز» لعام 2026، في حدث فني دولي جمع نخبة من صالات العرض والفنانين من مختلف أنحاء العالم، مقدماً صورة عن التحولات التي يشهدها الفن المعاصر، والتقاطعات المتزايدة بين الجمال والذاكرة والهوية والسياسة.
ولم تقتصر أهمية المعرضين على عرض الأعمال الفنية وتداولها في السوق العالمية، بل امتدت إلى فتح نقاشات نقدية حول الإرث الاستعماري، وتمثيل الفئات المهمشة، وإعادة الاعتبار إلى تجارب فنية ظلت لفترات طويلة بعيدة عن مركز الاهتمام، إلى جانب إبراز دور الفن في إعادة قراءة التاريخ وتفكيك السرديات التقليدية.
«فريز لندن».. الفن المعاصر في مواجهة أسئلة الذاكرة والهوية
احتضنت أروقة «فريز لندن» مشاركات 172 صالة عرض من مختلف أنحاء العالم، قدمت أعمالاً متنوعة عكست انشغالات الفن المعاصر بقضايا الجسد والذاكرة والتاريخ والتحولات الاجتماعية.
وفي هذا السياق، قدم الفنان البرازيلي دالتون باولا، من خلال مشاركته مع غاليري «ليسون»، أعمالاً تستعيد شخصيات تاريخية من ذوي البشرة السمراء، جرى تهميشها أو تغييبها عن الذاكرة التاريخية خلال القرون الممتدة من السادس عشر إلى التاسع عشر. واعتمد الفنان في مقاربته على ضربات فرشاة دقيقة وألوان هادئة ذات طابع ضبابي، مانحاً شخصياته حضوراً بصرياً يستحضر الذاكرة ويقاوم النسيان.
وفي اتجاه فني مغاير، اتجهت الفنانة الأميركية لوسي دود، عبر غاليري «سبروث ماغرز»، إلى توظيف مواد عضوية وطبيعية، مبتعدة عن الصبغات التقليدية، لاستكشاف مفاهيم الموت والتحلل والتحول. وتكشف تجربتها عن علاقة متجددة بين العمل الفني والطبيعة، بما يستحضر بعض مقاربات فن الأرض، الذي يجعل من البيئة ومكوناتها جزءاً أساسياً من التعبير الجمالي.
كما قدم الفنان الأميركي خليف طاهر طومسون، من خلال غاليري «فيكتوريا ميرو»، أعمالاً تمزج بين الجلد والأقمشة والخشب في بورتريهات تحتفي بالتفاصيل اليومية من حياة الأميركيين الأفارقة. وتبرز هذه الأعمال أهمية الخامة والملمس في التعبير عن التجارب الإنسانية والاجتماعية، حيث يتحول العنصر المادي إلى جزء من الرسالة النفسية والسياسية للعمل الفني.
«فريز ماسترز».. إعادة قراءة التاريخ الفني وتجاوز المركزية الغربية
على الجانب الآخر، ركز معرض «فريز ماسترز» على إعادة قراءة تاريخ الفن من منظور نقدي، مع إيلاء اهتمام خاص بالتجارب التي لم تحظ بالتمثيل الكافي في السرديات الفنية السائدة، بما فيها تجارب الحداثة البديلة وأعمال الفنانات اللواتي واجهن التهميش داخل المشهد التشكيلي.
ومن بين المحطات البارزة، الجناح المشترك بين غاليري «ديفيد زورنر» وغاليري «فيكتوريا ميرو»، الذي استعاد أعمال الرسامة الأميركية أليس نيل، المعروفة بمقاربتها الإنسانية والجريئة للجسد. وقدمت أعمالها تصوراً مختلفاً للحداثة الفنية، متجاوزة القواعد الأكاديمية التقليدية، من خلال تصوير الأجساد في أوضاعها الواقعية وما تحمله من هشاشة وتوتر وتجارب إنسانية.
وفي سياق الاهتمام بالحداثة الفنية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، سلط غاليري «لوفت آرت» الضوء على تجربة الفنان المغربي الراحل محمد المليحي، من خلال أعماله التجريدية وموجاته الشهيرة التي ارتبطت بمدرسة الدار البيضاء، واستحضرت تفاعلات الفن الحديث مع التراث الحرفي والثقافي المغربي، بما في ذلك الموروث الأمازيغي.
كما برز الاهتمام بالفنانات المرتبطات بمشهد التعبيرية التجريدية في نيويورك خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين، ومن بينهن إلين دي كونينغ وجوان ميتشل وغيرهما من الفنانات اللواتي لم يحظين بالاهتمام نفسه الذي ناله نظراؤهن الرجال. وساهمت مشاركات، من بينها أعمال قدمها غاليري «بيري كامبل»، في تسليط الضوء على تجاربهن الفنية وإبراز إسهاماتهن في تطور الفن التجريدي.
مبيعات بملايين الدولارات تعكس قيمة الأعمال الفنية
إلى جانب النقاشات الجمالية والفكرية، سجلت المعارض صفقات بيع لعدد من الأعمال الفنية التي تعكس مكانة السوق الفنية العالمية وقيمة الأعمال التاريخية والمعاصرة.
ووفق المعطيات الواردة في التقرير، بيعت لوحة للطبيعة الساكنة للفنان الفلمنكي جان بروغيل الأكبر، عبر غاليري «هاوزر أند ويرث»، مقابل نحو 6.5 مليون دولار، فيما بلغت قيمة لوحة للفنان البلجيكي ميكائيل بوريمانس نحو 1.5 مليون دولار.
كما بيعت لوحة للفنان المفاهيمي جورج كوندو مقابل 600 ألف دولار، وهو المبلغ نفسه الذي حققه عمل برونزي للفنان البريطاني أنتوني غورملي. وبلغ سعر لوحة للفنانة الأميركية كارا ووكر نحو 400 ألف دولار.
وتبرز هذه الصفقات استمرار التداخل بين القيمة الفنية والتاريخية للأعمال وبين مكانتها في سوق الفن، حيث تتنافس الأعمال المعاصرة والقطع ذات الأهمية التاريخية على اهتمام جامعي التحف والمقتنين والمؤسسات الفنية.
الفن العربي.. حضور متنامٍ في المشهد الدولي
سجلت الصالات العربية مشاركة لافتة في معرضي «فريز لندن» و«فريز ماسترز»، من خلال أعمال وتجارب فنية تناولت الذاكرة السياسية والاجتماعية، والتحولات الثقافية، والعلاقة بين الإنسان والمكان والمادة.
وفي هذا الإطار، قدم غاليري «صفير زملر»، الذي ينشط بين بيروت وهامبورغ، مجموعة من الأعمال ذات الطابع المفاهيمي، ركزت على الأرشيفات السياسية والبصرية في المنطقة، بمشاركة فنانين من بينهم لورنس أبو حمدان ووليد رعد ورايان تابت. وتعكس هذه التجارب اهتماماً باستكشاف كيفية تشكل الذاكرة الجماعية، ودور الوثائق والصور والأرشيفات في قراءة التاريخ المعاصر.
من جهتها، سلطت صالة «أثر»، التي تنشط في جدة والرياض، الضوء على تحولات المشهد الفني السعودي من خلال أعمال ومقاربات مفاهيمية لفنانين من بينهم أحمد ماطر ورامي فاروق ومحمد الفرج وسارة أبو عبد الله وأميرة موصلي. وتناولت هذه التجارب قضايا البيئة والمادة والتحولات الاجتماعية والثقافية، عبر أساليب فنية تجمع بين البحث المفاهيمي والتعبير الجمالي.
مليحة أفنان ومحجوب بن بلة.. الذاكرة والتجريد في صدارة المشاركات العربية
وفي معرض «فريز ماسترز»، قدم غاليري «لوري شبيبي» من دبي أعمال الفنانة الفلسطينية الإيرانية الراحلة مليحة أفنان، التي تميزت تجربتها الفنية بالتداخل بين الكتابة والتجريد والذاكرة، مع استحضار موضوعات النزوح والهوية والتحولات التي تصاحب التجربة الإنسانية.
كما شارك غاليري «المرسى» بأعمال للفنان التونسي الفرنسي محجوب بن بلة، الذي تجمع تجربته بين الإيقاع البصري والتجريد والخطوط المتشابكة، في صياغة فنية تستحضر تقاطعات الذاكرة الأفريقية والعربية مع التعبيرات التشكيلية المعاصرة.
ويعكس حضور هذه التجارب تنوع المشهد الفني العربي وقدرته على تقديم رؤى مختلفة تنطلق من خصوصيات ثقافية وتاريخية متعددة، مع الانفتاح على الأسئلة الجمالية والفكرية التي تشغل الفن العالمي.
وتؤكد مشاركة الفنانين والصالات العربية في «فريز لندن» و«فريز ماسترز» أن الفن العربي لم يعد مقتصراً على تمثيل هويته المحلية، بل أصبح طرفاً في حوار دولي أوسع حول الذاكرة والتاريخ والحداثة والتمثيل الثقافي. كما تكشف هذه المشاركات عن أهمية المنصات الفنية الدولية في إبراز التجارب التي تسعى إلى إعادة قراءة الماضي، وتوسيع حدود التعبير البصري، وتعزيز حضور الفن العربي داخل سوق الفن العالمي.
التعليقات مغلقة.