أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

حين تنتصر المسطرة للدستور.. قرار المحكمة الدستورية يعيد ترتيب قواعد اللعبة التشريعية

جريدة أصوات" بقلم: الأستاذ "محمد عيدني"

ليست كل القرارات القضائية مجرد أجوبة عن نزاع قانوني عابر، فبعضها يتجاوز حدود القضية التي صدر بشأنها، ليؤسس لقاعدة مؤسساتية أوسع، ويبعث برسالة واضحة إلى مختلف الفاعلين في المجال التشريعي والقانوني.
ومن هذا المنظور، يكتسي قرار المحكمة الدستورية رقم 277/26 م.د.، في الملف عدد 317/26، أهمية خاصة، بالنظر إلى ارتباطه بمشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، وما أثاره من أسئلة دقيقة حول شروط الإحالة على المحكمة الدستورية، وحدود ممارستها لاختصاصها في مجال الرقابة السابقة على دستورية القوانين.


واللافت في هذا القرار أن المحكمة الدستورية لم تتعامل مع الرقابة الدستورية باعتبارها مجرد فحص لمضامين النصوص، وإنما أعادت التأكيد على أن الطريق المؤدي إلى الرقابة الدستورية يخضع بدوره للدستور والقانون التنظيمي ولضوابط لا يجوز القفز عليها.

الدستور أولا.. والمسطرة جزء من المشروعية
في دولة المؤسسات، لا تكفي سلامة الغاية للوصول إلى النتيجة، بل لا بد أن تكون الوسيلة نفسها سليمة ومطابقة للقانون.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية لهذا القرار.
فالمحكمة استحضرت مقتضيات الفصل 132 من الدستور، الذي يحدد الجهات المخول لها إحالة القوانين إلى المحكمة الدستورية قبل إصدار الأمر بتنفيذها، كما استحضرت المقتضيات المنظمة لشروط وكيفيات هذه الإحالة.
وهذا يعني، ببساطة قانونية دقيقة، أن الرقابة الدستورية نفسها لا يمكن أن تمارس خارج الإطار الذي رسمه الدستور.


فالمحكمة الدستورية ليست جهة سياسية، ولا يمكن أن تتحول إلى طرف في العملية التشريعية، وإنما هي مؤسسة دستورية مستقلة تمارس اختصاصاً محدداً، في إطار قواعد دقيقة، وبالحدود التي رسمها لها الدستور والقانون.

قرار يعيد الاعتبار لهيبة المؤسسات
أهمية القرار لا تكمن فقط في موضوع مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة، وإنما في الرسالة المؤسساتية التي يحملها.

فحين تؤكد المحكمة الدستورية أن الإحالة يجب أن تحترم شروطها القانونية والدستورية، فإنها تؤكد في الوقت نفسه أن المؤسسات لا تعمل بالرغبة أو الاجتهاد المنفرد، وإنما بالقواعد.
وهذه قاعدة أساسية في بناء دولة الحق والقانون.
فالبرلمان يمارس اختصاصه في التشريع، والحكومة تمارس اختصاصاتها الدستورية، والمحكمة الدستورية تمارس اختصاصها في مراقبة دستورية القوانين، وكل مؤسسة تتحرك داخل المجال الذي رسمه لها الدستور.
وهنا بالضبط تتجسد قيمة الفصل بين السلط وتكاملها.

عندما تصبح التفاصيل ضمانة للحقوق
قد يرى البعض أن الحديث عن الوثائق والإجراءات وشروط الإحالة مجرد تفاصيل تقنية، لكن المتخصص في القانون يدرك أن التفاصيل الإجرائية قد تكون في أحيان كثيرة هي الضمانة الحقيقية للمشروعية.
فعدم احترام مسطرة محددة قد يؤدي إلى إفراغ الاختصاص من مضمونه، بينما احترامها يجعل القرار القضائي محصناً ومبنياً على أساس قانوني واضح.
وقد أظهر القرار أن المحكمة أولت أهمية للوثائق المرفقة برسالة الإحالة وللعناصر التي تمكنها من ممارسة رقابتها الدستورية، بما يؤكد أن المحكمة لا تعمل في فراغ، وإنما تبني موقفها على ملف قانوني مستوفٍ للشروط والمعطيات اللازمة.

مهنة المحاماة.. بين التشريع وضمانات العدالة
ولا يمكن فصل هذا النقاش عن طبيعة مشروع القانون موضوع الإحالة.
فمهنة المحاماة ليست مهنة عادية، وإنما تشكل إحدى الركائز الأساسية لمنظومة العدالة، بالنظر إلى ارتباطها بحقوق الدفاع وحماية حقوق المتقاضين والمساهمة في تحقيق شروط المحاكمة العادلة.
ومن ثم، فإن أي تشريع يتعلق بتنظيمها ينبغي أن يحظى بأقصى درجات الدقة القانونية والمؤسساتية.
لكن هذه الأهمية لا تعني أن أي نص يتعلق بالمهنة يمكن أن يخرج عن القواعد الدستورية، بل العكس تماما؛ فكلما كان موضوع القانون أكثر حساسية، ازدادت الحاجة إلى احترام الدستور والمساطر القانونية بشكل صارم.

المحكمة الدستورية.. حارسة القواعد لا طرفاً في الخلاف
من أبرز ما يمكن استخلاصه من القرار أن المحكمة الدستورية تؤكد من جديد طبيعتها كمؤسسة للحسم القانوني والدستوري، لا كطرف في النقاش السياسي أو المهني.
إنها لا تنظر إلى القانون من زاوية من يؤيده أو يعارضه، وإنما من زاوية واحدة: هل احترم الدستور أم لا؟ وهل استوفيت الشروط التي تمكن المحكمة من ممارسة اختصاصها؟
وهذه الحيادية هي التي تمنح القضاء الدستوري قوته ومصداقيته.
فالمؤسسات القوية لا تقاس فقط بمدى اتساع اختصاصاتها، وإنما أيضاً بمدى التزامها بالحدود التي رسمها لها القانون.

درس تشريعي لا ينبغي أن يضيع
إن قرار المحكمة الدستورية في هذا الملف يقدم، في تقديري، درساً بالغ الأهمية لكل من يشارك في صناعة التشريع.
فالعمل التشريعي ليس مجرد تصويت على مواد قانونية، ولا ينتهي بمجرد موافقة المؤسسة التشريعية على مشروع قانون.
هناك مسار دستوري كامل، تبدأ حلقاته من إعداد النص، مروراً بمناقشته والتصويت عليه، وانتهاءً، عند الاقتضاء، بالرقابة الدستورية السابقة.
وكل حلقة من هذه الحلقات لها أهميتها.
لذلك فإن احترام المساطر ليس ترفا قانونيا، بل هو جزء من جوهر دولة المؤسسات.

قوة القانون في قوة احترامه
لقد أثبتت المحكمة الدستورية من خلال هذا القرار أن الدستور ليس مجرد وثيقة مرجعية، وإنما هو قاعدة حاكمة لكل ممارسة مؤسساتية.
كما أن القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية ليس مجرد نص تقني، بل هو الإطار الذي يحدد كيف تمارس المحكمة اختصاصها، وكيف تصل الإحالات إليها، وما هي العناصر التي يتعين أن يتضمنها الملف حتى تتمكن من ممارسة رقابتها.
ومن هنا تأتي أهمية القرار: إنه يذكر الجميع بأن الغاية المشروعة لا تبرر تجاوز المسطرة، وأن احترام القانون يبدأ من احترام القواعد التي وضعها القانون نفسه.

“كلمة أخيرة”
في زمن تتداخل فيه أحياناً الحسابات السياسية والمهنية مع النقاش القانوني، تأتي قرارات المؤسسات الدستورية لتعيد الأمور إلى نصابها الطبيعي: الدستور فوق الجميع، والقانون على الجميع، والمؤسسات لا تستمد قوتها إلا من احترامها للقواعد التي تنظم عملها.
وإذا كان مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة قد فتح نقاشاً واسعاً حول مستقبل المهنة وتنظيمها، فإن قرار المحكمة الدستورية يضيف إلى هذا النقاش بعداً أكثر عمقاً: لا يمكن بناء تشريع قوي إلا من خلال مسطرة قوية، ولا يمكن حماية دولة القانون إلا باحترام القانون حتى في أدق تفاصيله.
ذلك أن هيبة الدولة لا تصنعها كثرة النصوص، وإنما يصنعها احترامها.
وهنا تكمن الرسالة الأبرز لقرار المحكمة الدستورية: حين تنتصر المسطرة، ينتصر الدستور؛ وحين ينتصر الدستور، تنتصر دولة المؤسسات.

التعليقات مغلقة.