أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

التضخم الخفي.. حيل تجارية ترفع تكلفة المعيشة دون تغيير الأسعار

"جريدة أصوات"

يلجأ عدد متزايد من الشركات إلى تقليص أوزان المنتجات وأحجامها مع الإبقاء على أسعارها السابقة في ممارسة اقتصادية تعرف باسم «التضخم الخفي» أو «الانكماش التضخمي» (Shrinkflation) وهي ظاهرة تجعل المستهلك يدفع المبلغ نفسه مقابل كمية أقل ما يؤدي عمليا إلى ارتفاع تكلفة السلعة دون إعلان زيادة مباشرة في سعرها.

وتثير هذه الممارسة تساؤلات بشأن مدى شفافية الشركات في تعاملها مع المستهلكين خصوصا في ظل الضغوط التضخمية وارتفاع تكاليف المعيشة إذ قد يشتري المستهلك المنتج نفسه وبالتغليف المعتاد، من دون أن ينتبه إلى أن وزنه أو حجمه أصبح أقل مما كان عليه سابقاً.

وفي حوار مع قناة «RT» أوضحت “صوفيا غلافينا” الأستاذة المساعدة بكلية الاقتصاد في جامعة الصداقة بين الشعوب أن تقليص أحجام السلع مع الحفاظ على أسعارها ممارسة قديمة سبقت ظهور المصطلح الاقتصادي المتداول حاليا مشيرة إلى انتشارها في فترات الأزمات الاقتصادية وارتفاع التضخم خصوصا بعد الحرب العالمية الثانية.

وتأثرت هذه الممارسات بالتحولات النقدية والاقتصادية التي شهدها العالم ومن بينها تداعيات ما يعرف بـ«صدمة نيكسون» عام 1971 عندما أنهت الولايات المتحدة قابلية تحويل الدولار إلى ذهب رسميا.

أما مصطلح «Shrinkflation» فقد اكتسب انتشارا أوسع خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين مع تصاعد النقاش حول أساليب الشركات في مواجهة ارتفاع تكاليف الإنتاج.

ويفسر خبراء الاقتصاد والسلوك الاستهلاكي لجوء بعض الشركات إلى تقليص العبوات بأن المستهلكين قد يتفاعلون بصورة أقوى مع الزيادة المعلنة في السعر مقارنة بتقليص الكمية وهو ما يدفع المنتجين أحيانا إلى الحفاظ على السعر الظاهر لتجنب خسارة الزبائن الذين قد يتجهون إلى منتجات منافسة أقل تكلفة.

وتكمن صعوبة اكتشاف هذه الممارسة في أن التغيير قد يكون محدودا مثل تقليص وزن عبوة غذائية ببضعة غرامات أو خفض عدد القطع داخل العلبة من دون تغيير واضح في شكل التغليف.

ونتيجة لذلك قد لا يلاحظ المستهلك ارتفاع السعر الفعلي لكل كيلوغرام أو لتر رغم أنه أصبح يحصل على كمية أقل مقابل المبلغ نفسه.

ولا يقتصر الأمر على تقليص الحجم إذ يستخدم أيضا تعبير «تضخم الجودة» لوصف حالات تتراجع فيها بعض خصائص المنتج أو جودته مع الإبقاء على السعر والحجم نفسيهما.

وقد تثير هذه الممارسة مخاوف إضافية في قطاع الأغذية إذا انعكست على القيمة الغذائية أو جودة المكونات غير أن تحديد آثارها الصحية يتطلب تقييم طبيعة المنتج والتغييرات التي طرأت عليه.

وتكشف تجارب دولية أن المستهلكين قادرون أحيانا على التأثير في قرارات الشركات خصوصا عندما تتحول التغييرات في المنتجات إلى موضوع للنقاش العام. ففي عام 2016 أثار تعديل حجم قطع شوكولاتة «توبليرون» التابعة لشركة «موندليز إنترناشونال» جدلا واسعا بعدما تغيرت المسافات بين القطع في بعض الأسواق قبل أن تعيد الشركة لاحقا طرح تصميم تقليدي في بعض المنتجات، مع اختلاف الأسعار والأوزان بحسب السوق.

وفي روسيا شهد عام 2023 تعديلات على بعض المعايير المتعلقة بأحجام عبوات السلع الغذائية في سياق محاولات تنظيم السوق والحفاظ على وضوح مواصفات المنتجات.

غير أن نطاق هذه الإجراءات وتفاصيل تطبيقها يختلفان بحسب نوع السلعة والمعيار المعتمد ولا يعنيان بالضرورة وجود حظر شامل على جميع التغييرات في أحجام التعبئة.

وفي المقابل لا تكون العبوات الكبيرة دائما الخيار الأكثر توفيرا رغم أن سعر الكيلوغرام أو اللتر قد يكون أقل مقارنة بالعبوات الصغيرة.

فإذا كان المنتج سريع التلف أو معرضا للرطوبة فقد لا يتمكن المستهلك من استهلاكه قبل انتهاء صلاحيته ما يؤدي إلى إهدار جزء منه وخسارة الأموال التي كان يعتقد أنه وفرها.

كما أن شراء كميات تفوق الحاجة قد يشجع على الاستهلاك المفرط ويزيد نفقات التخزين.

وتشمل أساليب التغليف التي قد تضلل المشتري استخدام عبوات ذات قواعد مقعرة أو جدران أكثر سماكة بما يجعل حجم العبوة الظاهر أكبر من سعتها الفعلية. وقد لا تكون هذه التصاميم مخالفة للقانون في حد ذاتها لكن غياب المعلومات الواضحة عن الوزن الصافي أو الحجم الحقيقي قد يضعف ثقة المستهلك بالعلامة التجارية.

وامتدت فكرة الحصول على مقابل أقل إلى قطاعات أخرى غير الغذاء إذ أثار قرار شركة «أبل» إزالة الشاحن وسماعات الأذن من علب بعض طرازات هواتف آيفون ابتداء من عام 2020 نقاشا بشأن ما يحصل عليه المستهلك مقابل السعر المدفوع رغم أن الشركة بررت الخطوة باعتبارات بيئية وتقليل النفايات الإلكترونية.

كما شهد قطاع السيارات تغييرات في شروط الضمان لدى بعض الشركات وهي حالات تختلف في طبيعتها عن تقليص كمية المنتج لكنها تعكس أهمية مقارنة المواصفات والخدمات المقدمة قبل الشراء.

وأمام هذه الممارسات، يستطيع المستهلك الحد من أثر التضخم الخفي عبر مقارنة سعر الوحدة أي تكلفة الكيلوغرام أو اللتر أو القطعة ومراجعة الوزن الصافي المكتوب على العبوة والانتباه إلى عدد القطع ومكونات المنتج بدلا من الاعتماد على السعر الإجمالي أو شكل التغليف وحدهما.

كما تظل الشفافية في عرض الأسعار والكميات والمواصفات عاملا أساسيا في حماية القدرة الشرائية وتعزيز المنافسة العادلة. فالحفاظ على السعر المعلن لا يعني بالضرورة أن المنتج لم يصبح أكثر تكلفة وقد يكون الفرق الحقيقي كامنا في تفاصيل صغيرة لا تظهر إلا عند المقارنة الدقيقة بين العبوات.

التعليقات مغلقة.