عادل الميلودي.. فنان صنع اسمه بصوته ولا تختزل مسيرته في تصريح عابر
"جريدة أصوات"
يعيد الجدل الذي رافق الفنان الشعبي عادل الميلودي، عقب تداول مقطع فيديو يتضمن تصريحات أثارت نقاشا واسعا على منصات التواصل الاجتماعي، طرح سؤال أكبر من التصريح نفسه: هل أصبح الإعلام اليوم يبحث عن زلات الفنانين أكثر مما يبحث عن مساراتهم وتجاربهم وما قدموه للساحة الفنية؟
لقد تحول مقطع قصير في ظرف ساعات إلى مادة واسعة للتداول والتعليق والتأويل، وذهب البعض إلى بناء مواقف وأحكام على عبارات وردت في تسجيل متداول لا نعرف بالضرورة سياقه الكامل. وفي مثل هذه الحالات، تفرض المهنية الإعلامية التريث، وعدم تحويل كلام عابر إلى حكم نهائي على فنان أو إلى اختزال سنوات من مسيرته في جملة أثارت الجدل.
وعادل الميلودي ليس اسما طارئا على الأغنية الشعبية المغربية، بل واحد من الفنانين الذين استطاعوا، بطريقتهم الخاصة، أن يصنعوا لأنفسهم حضوراً داخل المشهد الفني الوطني، وأن يصلوا إلى جمهور واسع، وأن يحافظوا على مكانتهم في وقت تغيرت فيه صناعة الأغنية وتبدلت وسائل الاستماع والتواصل.
قد يختلف المغاربة حول أسلوبه، وقد يختلفون حول بعض أغانيه أو تصريحاته أو مواقفه، وهذا أمر طبيعي في مجتمع تتعدد فيه الأذواق والآراء. لكن الاختلاف لا يلغي حقيقة أن الميلودي استطاع أن يفرض اسمه داخل الأغنية الشعبية، وأن يجعل صوته وأسلوبه حاضرين في ذاكرة شريحة واسعة من الجمهور.
الفنان الشعبي، في النهاية، ليس مجرد شخص يقف فوق منصة ويغني، وإنما هو جزء من المجتمع الذي ينتمي إليه. فهو يعبر عن أفراح الناس وأحزانهم، عن مناسباتهم وذكرياتهم، وعن تفاصيل حياتهم اليومية، وقد تتحول بعض أغانيه إلى جزء من الذاكرة الجماعية لجمهور عاش معها سنوات طويلة.
ومن هنا، فإن التعامل مع الفنانين يجب ألا يكون بمنطق “اصطياد البوز“. فليس من المهنية أن تتحول كل كلمة إلى عنوان مثير، وكل تصريح إلى قضية، وكل مقطع مجتزأ إلى مادة لإدانة صاحبه أو التشهير به.
الصحافة الحقيقية لا تلهث وراء المشاهدات فقط، وإنما تبحث عن الحقيقة والسياق، وتحترم الإنسان حتى وهي تختلف معه.
وإذا كان تصريح عادل الميلودي قد أثار نقاشا حول مفهوم المال ومصدر الدخل وموقف الفنان من عمله، فإن هذا النقاش يمكن أن يكون فرصة للحوار الهادئ حول وضع الفنان المغربي، وعن الصعوبات التي تواجه المشتغلين في المجال الفني، وعن المسؤولية التي تقع على الفنان تجاه جمهوره، كما يمكن أن يكون مناسبة للتذكير بأن تقييم المسيرة الفنية لا ينبغي أن يبنى على تصريح واحد.
لقد قدم الميلودي خلال مسيرته لونا غنائيا خاصا، واشتغل على الأغنية الشعبية بأسلوب ميزه عن غيره، ونجح في الوصول إلى جمهور داخل المغرب وخارجه. وهذه أمور لا يمكن محوها بسبب موجة جدل على مواقع التواصل الاجتماعي، كما لا يمكن في المقابل أن تكون الشهرة حصانة من النقد المسؤول.
المطلوب اليوم هو أن نعيد للفن مكانته، وللنقد قيمته، وللصحافة مهنيتها. أن ننتقد عندما يكون النقد ضرورياً، وأن ننصف عندما يكون الإنصاف واجباً، وأن نميز بين الخبر والتأويل، وبين تصريح منسوب إلى صاحبه وبين حقيقة ثابتة.
وفي مجموعة أصوات ميديا، نؤمن بأن الصحافة ليست مطاردة للزلات ولا صناعة مفتعلة للجدل، ولسنا ممن يبحثون عن “البوز” على حساب كرامة الفنان أو الإنسان. نحن نبحث عن الخبر، ونناقش القضايا التي تهم المجتمع، ونحترم الشخصيات المغربية التي صنعت حضورها ومكانتها، سواء اتفقنا معها في كل مواقفها أم اختلفنا معها.
وعادل الميلودي، مثل غيره من الفنانين المغاربة، يستحق أن تقرأ تجربته كاملة، وأن ينظر إلى مسيرته الفنية بما لها وما عليها، لا أن تختزل في مقطع قصير انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي.
وفي هذه المناسبة، تتمنى مجموعة أصوات ميديا للفنان عادل الميلودي الشفاء العاجل، والصحة والعافية، وأن يتجاوز الظروف الصحية التي يمر بها، وأن يعود إلى جمهوره ومحبيه في أحسن حال.
فالفنان قد يختلف الناس حوله، وقد ينتقدونه، وقد يختلفون مع تصريحاته، لكن قيمة الفن لا تُقاس بعدد التعليقات التي يصنعها تصريح عابر، وإنما بما يتركه الفنان من أثر في ذاكرة الناس.
نحن لا نبحث عن البوز… نحن نبحث عن الحقيقة، ونحترم الفنان، ونحترم القارئ.

التعليقات مغلقة.