أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

“المرض مربح”.. عالمة نفس توضح كيف يمكن أن يعرقل الدماغ الشفاء

"جريدة أصوات"

تثير العلاقة بين الحالة النفسية والاستجابة للعلاج اهتماما متزايدا في الأبحاث الطبية، بعدما أظهرت دراسات أن التوقعات السلبية والقلق والخوف من الآثار الجانبية قد تؤثر في تجربة المريض وتزيد من حدة بعض الأعراض أو تدفعه إلى عدم الالتزام بالعلاج الموصوف. وفي هذا السياق يبرز مفهوما «التأثير النوسيبو» و«المنفعة الثانوية» بوصفهما مدخلين لفهم بعض الجوانب النفسية المرتبطة بالمرض والتعافي. 

ويشير مفهوم «المنفعة الثانوية» في علم النفس إلى الفوائد غير المباشرة التي قد ترتبط بالمرض مثل الحصول على مزيد من الرعاية والاهتمام من المحيط العائلي أو الابتعاد مؤقتا عن مسؤوليات وضغوط يصعب تحملها.

وقد تسهم هذه العوامل في بعض الحالات في استمرار سلوكيات مرتبطة بالمرض من دون أن يعني ذلك أن الشخص يتعمد الإصابة به أو يختلق أعراضه.

 

وتختلف هذه الظاهرة عن التظاهر المتعمد بالمرض بهدف الحصول على منفعة خارجية إذ لا يمكن افتراض أن الأعراض النفسية أو الجسدية غير حقيقية لمجرد وجود ظروف اجتماعية أو نفسية قد يستفيد منها المريض.

ويظل التقييم الطبي والنفسي المتخصص ضروريا لفهم أسباب الأعراض وتحديد طبيعتها. 

ومن بين الظواهر التي تحظى باهتمام الباحثين ما يعرف بـ«تأثير النوسيبو»، وهو ظهور أعراض مزعجة أو تفاقمها نتيجة توقعات سلبية مرتبطة بالعلاج أو بالإجراءات الطبية من دون أن تكون هذه الأعراض ناتجة بالكامل عن التأثير الدوائي المباشر.

وقد تسهم التجارب السابقة غير المريحة والخوف من المضاعفات وطريقة تقديم المعلومات للمريض في تعزيز هذه الاستجابة.

 

وتشير مراجعات علمية إلى أن التوقعات السلبية قد تزيد من الإحساس بالألم أو بعض الأعراض الجانبية، كما يمكن أن تؤثر في العلاقة بين المريض والطبيب وتضعف الالتزام بالخطة العلاجية.

فعندما يتوقع الشخص أن العلاج لن يفيده أو أنه سيسبب له أضرارا قد يصبح أكثر انتباها للأعراض المزعجة وقد يتردد في مواصلة العلاج أو يغير طريقة تناوله للأدوية من دون استشارة طبية. 

وترتبط الضغوط النفسية أيضا بتغيرات فسيولوجية في الجسم من بينها نشاط منظومة الاستجابة للتوتر التي تشمل المحور الوطائي النخامي الكظري وإفراز هرمونات مثل الكورتيزول.

غير أن تأثير هذه التغيرات يختلف بحسب طبيعة الحالة الصحية ومدتها وعوامل أخرى ولا يصح اختزال تعقيدات الاستجابة للعلاج في مستوى هرمون واحد أو اعتبار التوتر سببا مباشرا لفشل دواء بعينه.

كما لا توجد قاعدة علمية تتيح القول إن ارتفاع الكورتيزول يؤدي تلقائيا إلى فقدان المضادات الحيوية فعاليتها أو يجعل الأدوية الأخرى غير مجدية.

فالاستجابة للعلاج تتأثر بعوامل متعددة تشمل طبيعة المرض ودقة التشخيص ونوع الدواء وجرعته ومدى الالتزام بتناوله إلى جانب خصائص المريض الصحية.

 

وتبرز أهمية هذه المعطيات في ضرورة التعامل مع الصحة باعتبارها تفاعلا معقدا بين العوامل الجسدية والنفسية والاجتماعية. فالدعم النفسي والتواصل الواضح مع الطبيب قد يساعدان المريض على فهم حالته والتعامل مع مخاوفه فيما يساهم شرح الآثار الجانبية المحتملة بطريقة متوازنة في الحد من القلق غير الضروري وتعزيز الثقة في العلاج.

وفي المقابل ينبغي ألا تتحول المفاهيم النفسية مثل «المنفعة الثانوية» إلى وسيلة للتشكيك في معاناة المرضى أو تحميلهم مسؤولية عدم التعافي.

فاستمرار الأعراض أو عدم الاستجابة للعلاج يستدعي مراجعة طبية لتقييم التشخيص والخطة العلاجية والعوامل المحتملة المؤثرة في النتائج.

وتبقى الرسالة الأساسية أن الحالة النفسية قد تؤثر في تجربة المرض والاستجابة لبعض جوانب العلاج لكنها لا تعني أن المريض يستطيع التحكم بإرادته في الشفاء أو أن التفكير السلبي وحده يفسر استمرار المرض.

ويظل الجمع بين الرعاية الطبية المناسبة والتواصل الإنساني والدعم النفسي عند الحاجة من العناصر المهمة في رحلة التعافي.

التعليقات مغلقة.