أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

من “علاوة البنزين” في باريس إلى “السبورة” في المغرب: قراءة في بوصلة الاحتجاجات

"جريدة أصوات"

​في مفارقة سوسيولوجية وسياسية لافتة تتجه أنظار المراقبين إلى صورتين احتجاجيتين تختلفان جذريا في الدوافع والغايات.

فبينما تشتعل الشوارع في فرنسا غضبا من أجل أسعار الوقود والقدرة الشرائية شهدت الساحة المغربية حراكا تاريخيا حشد الآلاف في الشوارع لا طلبا لرفاهية مادية بحتة بل دفاعا عن “المدرسة العمومية”.

هاتان الصورتان لا تعكسان فقط تباينا جغرافيا بل تكشفان عن اختلاف عميق في سلم الأولويات والهموم الوجودية التي تحرك المجتمعات وتضعنا أمام قراءة تحليلية لبوصلة الشارع وتوجهاته.
​بالنظر إلى المشهد الفرنسي نجد أن الاحتجاجات ترتبط هيكلياً بالحفاظ على مكتسبات “دولة الرفاه”.

فعندما ينزل المواطنون أو النقابات للمطالبة بعلاوة البنزين أو تحسين الأجور لمواجهة التضخم، فإن المحرك الأساسي يظل اقتصادياً بامتياز. المتظاهر هناك يحتج ضد تراجع قدرته الشرائية وخوفا من المساس بنمط حياته الاستهلاكي المعتاد. إنها بعبارة أخرى، معركة مشروعة للحفاظ على مستوى الرفاهية والحد من وطأة الضرائب وتكاليف الطاقة التي تثقل كاهل الطبقات العاملة.

​على النقيض من ذلك، يعكس الشارع المغربي هموما من طراز آخر تتجاوز اللحظة الاستهلاكية لتلامس أسس البناء المجتمعي. فعندما نزل عشرات الآلاف من الأساتذة والشباب إلى الشارع في حراك التعليم، لم يكن الدافع مقتصراً على تحسين الدخل، بل تبلور حول رفض مقتضيات إدارية اعتبروها مجحفة، وحول الدفاع عن كرامة المهنة ورمزية المدرسة العمومية. لقد كان احتجاجاً يحمل في طياته قلقاً مجتمعياً عميقاً على مؤسسة تمثل بالنسبة لملايين الأسر المغربية “المصعد الاجتماعي” الوحيد القادر على انتشال أبنائها من الهشاشة وضمان مستقبلهم.
​وقد كشفت معطيات هذا الاحتقان المجتمعي عن وقائع مقلقة حيث أدى شلل المدارس العمومية لأشهر إلى وضع ملايين التلاميذ أمام شبح هدر الزمن المدرسي مما أثار قلق جمعيات الآباء والأمهات التي حذرت من تفاقم معدلات الانقطاع عن الدراسة.

 

الأزمة لم تتوقف عند حدود المطالب الفئوية بل أظهرت تباينا طبقيا صارخا بين تعليم خصوصي استمر في تقديم خدماته بشكل اعتيادي وتعليم عمومي متوقف، مما جعل من الاحتجاج صرخة حقيقية ضد انعدام تكافؤ الفرص وتهديد الحق في تعليم مجاني ذي جودة.
​هذه المفارقة بين المشهدين تضعنا أمام حقيقة واضحة ففي مجتمعات الشمال حيث تبدو المؤسسات الكبرى مستقرة ومفروغا من خدماتها يتركز الصراع حول توزيع الثروة وتكلفة المعيشة.

أما في مجتمعاتنا لا يزال الصراع يتمحور حول “الأساسيات” وحماية المؤسسات الحيوية من التراجع.

إن المدرسة العمومية ليست مجرد قطاع حكومي بل هي القلب النابض للتنمية البشرية وإذا كانت “علاوة البنزين” تحرك عجلة الاستهلاك في بلد كفرنسا فإن الاستثمار في التعليم هو الوقود الحقيقي لأي نهضة تنموية مرتقبة ورسالة الشارع تؤكد صراحة أنه لا نجاح لأي نموذج تنموي يتجاهل الرأسمال البشري ويترك أسوار المدرسة تتداعى.

التعليقات مغلقة.