أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

المغرب بعد الإنجاز.. هل تبدأ معركة الاستحقاق؟

"جريدة أصوات" بقلم: الإعلامي المتخصص "محمد عيدني"

يعيش المغرب مرحلة دقيقة تتجاوز منطق الاحتفاء بما تحقق، لتنتقل إلى سؤال أكثر صعوبة وعمقا:

ماذا بعد الإنجاز؟

فالدول لا تقاس فقط بما تنجزه من مشاريع وبرامج، وإنما بقدرتها على تحويل تلك الإنجازات إلى أثر ملموس ومستدام في حياة المواطنين، والانتقال من مرحلة بناء الأوراش الكبرى إلى مرحلة ترسيخ النتائج وتحقيق العدالة في الاستفادة منها.

ويفرض هذا التحول على المغرب قراءة المرحلة المقبلة بعين مختلفة، لأن حجم المشاريع والإصلاحات التي عرفتها المملكة خلال السنوات الماضية رفع سقف انتظارات المواطنين، وأصبح النجاح لا يُقاس فقط بحجم الاستثمارات أو عدد الأوراش المفتوحة، وإنما بمدى انعكاسها على التشغيل والدخل والخدمات العمومية والعدالة المجالية وتحسين شروط العيش.

ويضع هذا الواقع المؤسسات أمام مسؤولية جديدة عنوانها الأساسي النجاعة. فلم يعد كافياً الإعلان عن مشروع أو إطلاق برنامج، بل أصبح المطلوب قياس النتائج، ومراقبة التنفيذ، وتحديد المسؤوليات، وتصحيح الاختلالات عند ظهورها، وربط السياسات العمومية بالحاجات اليومية للمواطن.

 

ويكشف الانتقال من مرحلة الإنجاز إلى مرحلة الأثر أن التحدي الحقيقي لا يكمن دائما في بناء المشاريع، وإنما في حسن تدبيرها بعد اكتمالها، وضمان استمراريتها، وتوفير الموارد البشرية والمالية اللازمة لتشغيلها، حتى لا تتحول بعض الاستثمارات المهمة إلى مجرد منشآت تفتقر إلى الاستغلال الأمثل.

 

من منطق المشروع إلى منطق النتيجة

تحتاج المرحلة المقبلة إلى تغيير في طريقة تقييم العمل العمومي، بحيث يصبح السؤال المركزي هو:

ماذا تغير فعليا في حياة المواطن؟

وتفرض هذه المقاربة الانتقال من لغة الأرقام والمشاريع إلى لغة النتائج. فالمواطن الذي يبحث عن عمل لا تعنيه فقط قيمة الاستثمارات المعلنة، وإنما يريد معرفة عدد فرص الشغل التي خلقتها فعلياً. والمواطن الذي يلج المستشفى يريد خدمة صحية جيدة، وليس فقط معرفة حجم الاعتمادات المخصصة للقطاع. والأسرة التي تواجه ارتفاع تكاليف المعيشة تريد دخلاً يحافظ على قدرتها الشرائية، وليس فقط الاستماع إلى مؤشرات الاقتصاد الكلي.

وتجعل هذه المعادلة الدولة أمام تحدي تحقيق التوازن بين المؤشرات الاقتصادية الكبرى وبين التفاصيل اليومية التي تصنع شعور المواطن بالثقة أو القلق.

 

ويحتاج المغرب، في هذا السياق، إلى مواصلة بناء اقتصاد قوي وقادر على خلق الثروة، مع الحرص في الوقت نفسه على أن تصل آثار النمو إلى مختلف الفئات والمناطق، لأن التنمية التي لا يشعر المواطن بنتائجها في حياته اليومية تظل ناقصة مهما كانت أرقامها إيجابية.

 

المواطن يريد أن يرى أثر التنمية

يرفع المواطن المغربي اليوم سقف انتظاراته، بعدما أصبح أكثر اطلاعاً على ما يجري داخل البلاد وخارجها، وأكثر قدرة على مقارنة الخدمات والفرص ومستويات العيش.

ويطالب المواطن، بشكل متزايد، بإدارة أكثر سرعة ووضوحاً، ومدرسة عمومية أكثر فعالية، وصحة تحفظ كرامته، ونقل يحترم وقته، ومدن توفر شروط العيش الكريم، ومجالات قروية لا تشعر بأنها خارج خريطة التنمية.

وتجعل هذه المطالب الدولة أمام تحدي تقليص الفوارق ليس فقط بين المدن والقرى، وإنما أيضاً داخل المدن نفسها، حيث يمكن أن تتجاور مشاريع كبرى مع أحياء تعاني في الوقت ذاته من مشاكل مرتبطة بالنقل أو النظافة أو البنيات الأساسية أو الخدمات.

وتصبح العدالة المجالية، لذلك، واحدة من أبرز رهانات المرحلة المقبلة، لأنها تمثل الاختبار الحقيقي لقدرة التنمية على الوصول إلى المواطن أينما كان.

 

التشغيل.. الامتحان الأصعب

يبقى التشغيل أحد أكثر الملفات حساسية، خصوصاً بالنسبة إلى الشباب الذين أصبحوا ينظرون إلى المستقبل بانتظارات أكبر.

ويحتاج الاقتصاد المغربي إلى خلق فرص عمل أكثر استدامة، وليس فقط فرصاً مؤقتة مرتبطة بمشاريع أو قطاعات ظرفية، كما يحتاج إلى ربط التكوين باحتياجات سوق الشغل، وتشجيع المقاولة، وتسهيل ولوج الشباب إلى الاستثمار، وتحويل الطاقات والكفاءات إلى قوة اقتصادية حقيقية.

ويفرض هذا التحدي إعادة التفكير في العلاقة بين الجامعة والتكوين المهني والمقاولة والإدارة، حتى لا يجد الشاب نفسه أمام شهادة أكاديمية من جهة وسوق شغل يبحث عن مهارات مختلفة من جهة أخرى.

ويحتاج المغرب كذلك إلى تعزيز مكانة المقاولات الصغرى والمتوسطة باعتبارها من أهم محركات التشغيل، من خلال تحسين مناخ الأعمال، وتسهيل الولوج إلى التمويل، وتبسيط المساطر، ومواجهة كل أشكال التعقيد الإداري.

 

الإصلاح لا يكتمل بالقوانين

تحتاج الإصلاحات الكبرى إلى ما هو أكثر من النصوص القانونية والبرامج الحكومية، إذ يتوقف نجاحها على قدرتها على الوصول إلى الميدان وتحقيق النتائج المرجوة.

وتكشف التجربة أن أفضل القوانين يمكن أن تفقد جزءاً من فعاليتها إذا لم تواكبها إدارة قادرة على التنفيذ، وموارد بشرية مؤهلة، وآليات واضحة للمراقبة والتقييم.

وتفرض الحكامة الجيدة، لذلك، تعزيز ثقافة المسؤولية وربط القرار بالنتيجة، بحيث يعرف المواطن من المسؤول عن تنفيذ كل مشروع، ومتى سينتهي، وما هي الموارد المرصودة له، وكيف يمكن تقييم نتائجه.

وتحتاج الإدارة المغربية إلى الاستمرار في مسار الرقمنة وتبسيط الإجراءات، ليس باعتبار الرقمنة هدفا في حد ذاتها، وإنما باعتبارها وسيلة لتقليص البيروقراطية ومحاربة التعقيد وتحسين العلاقة بين المواطن والإدارة.

 

الماء.. تحد يتجاوز الحاضر

يفرض التغير المناخي وتوالي فترات الجفاف التعامل مع الماء باعتباره قضية استراتيجية تتجاوز التدبير الظرفي.

ويحتاج المغرب إلى مواصلة الاستثمار في تعبئة الموارد المائية، وتحسين شبكات التوزيع، وتقليص الهدر، وتطوير تقنيات الاقتصاد في الماء، مع تعزيز الوعي المجتمعي بقيمة هذه الثروة.

وتحتاج الفلاحة، بدورها، إلى مواصلة التكيف مع التحولات المناخية، لأن الأمن الغذائي والمائي أصبحا مرتبطين بشكل مباشر بالقدرة على حماية الموارد الطبيعية وضمان استدامتها.

 

المدن أمام اختبار جديد

تحتاج المدن المغربية إلى مرحلة جديدة من التدبير تقوم على جعل المواطن محور السياسات الحضرية.

وتفرض الكثافة السكانية والتوسع العمراني تحديات متزايدة في مجالات النقل والسكن والنظافة والبيئة والمساحات الخضراء والخدمات الاجتماعية.

وتحتاج المدن الكبرى إلى تصور متكامل لا يعالج الاختلالات بعد وقوعها، وإنما يستبقها من خلال التخطيط طويل المدى، وربط التوسع العمراني بالبنيات الأساسية والخدمات.

وتبقى جودة الحياة أحد أهم المؤشرات التي ستحدد صورة المغرب في السنوات المقبلة، لأن المواطن لا يقيس نجاح المدينة بعدد البنايات والمشاريع فقط، وإنما بقدرته على التنقل والعمل والعيش في بيئة آمنة ونظيفة ومنظمة.

 

المغرب في محيط دولي متغير

يواجه المغرب، في الوقت نفسه، مرحلة دولية شديدة التعقيد، تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع التحولات الجيوسياسية والأمنية.

ويحتاج المغرب إلى مواصلة تنويع شراكاته الاقتصادية والدبلوماسية، وتعزيز حضوره الإفريقي، والاستفادة من موقعه الاستراتيجي، مع الحفاظ على استقلالية قراره الوطني ومصالحه العليا.

وتمنح التحولات العالمية للمغرب فرصا جديدة في مجالات الصناعة والطاقة واللوجستيك والاستثمار والتكنولوجيا، لكنها تفرض في المقابل منافسة قوية، ما يجعل الحفاظ على جاذبية الاقتصاد الوطني مسؤولية مستمرة.

وتحتاج المملكة إلى تحويل موقعها الجغرافي وشبكة علاقاتها الدولية إلى قيمة اقتصادية إضافية، من خلال جذب الاستثمارات النوعية، وتطوير الصناعات ذات القيمة المضافة، وتعزيز مكانة المغرب في سلاسل الإنتاج العالمية.

 

إفريقيا.. فرصة استراتيجية

يفتح العمق الإفريقي للمغرب آفاقاً واسعة أمام الاقتصاد الوطني، خصوصاً مع تزايد الحاجة إلى شراكات تقوم على الاستثمار ونقل الخبرة وبناء المشاريع المشتركة.

ويحتاج هذا الحضور إلى الانتقال باستمرار من منطق المبادرات إلى منطق المشاريع المستدامة، بما يجعل العلاقات الاقتصادية أكثر ارتباطاً بحاجات التنمية في القارة.

وتمنح هذه الدينامية للمغرب فرصة لتعزيز موقعه كجسر اقتصادي واستثماري بين إفريقيا وأوروبا وباقي مناطق العالم.

 

التكنولوجيا تفرض قواعد جديدة

يفرض الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي تحديات جديدة على الدولة والمجتمع والاقتصاد.

ويحتاج المغرب إلى الاستثمار في الكفاءات الرقمية، وتطوير البحث العلمي، ودعم الابتكار، وتأهيل الشباب لمهن المستقبل، حتى لا يتحول التطور التكنولوجي من فرصة إلى مصدر جديد للفوارق.

وتحتاج المؤسسات أيضاً إلى تطوير أطر قانونية وتنظيمية تواكب التكنولوجيا، وتحمي المعطيات الشخصية، وتواجه التضليل الرقمي والجرائم الإلكترونية.

 

الثقة.. رأس المال الحقيقي

تحتاج كل مرحلة إصلاحية إلى الثقة باعتبارها أحد أهم عناصر النجاح.

وتبنى الثقة عندما يشعر المواطن بأن صوته مسموع، وأن الإدارة تستجيب، وأن القانون يطبق، وأن المسؤولية تقترن بالمحاسبة، وأن المشاريع العمومية تخضع للتقييم.

وتزداد الثقة عندما يرى المواطن نتائج ملموسة في حياته اليومية، لأن الإنجاز الحقيقي لا ينتهي عند تدشين المشروع، وإنما يبدأ عندما يصبح هذا المشروع جزءاً من حياة الناس.

 

ما بعد الإنجاز.. التحدي الأكبر

تفرض المرحلة المقبلة على المغرب تحدياً مختلفاً عن تحديات البدايات. فقد أصبحت المملكة تمتلك تجربة واسعة في إنجاز المشاريع الكبرى، وتحتاج اليوم إلى تحويل هذه التجربة إلى منظومة متكاملة من الحكامة والنجاعة والاستدامة.

وتكمن الصعوبة في أن الإنجاز يخلق انتظارات جديدة؛ فكل مشروع ناجح يرفع سقف الطموح، وكل إصلاح يفتح الباب أمام إصلاح آخر، وكل خطوة إلى الأمام تجعل المواطن يطالب بخطوة إضافية.

وتحتاج الدولة، لذلك، إلى مواصلة الإصلاح دون الوقوع في فخ الاكتفاء بما تحقق، لأن الدول التي تتوقف عند إنجازاتها تبدأ في فقدان قدرتها على مواكبة التحولات.

ويحتاج المغرب إلى الحفاظ على دينامية المشاريع الكبرى، وفي الوقت نفسه إعطاء الأولوية للملفات التي تمس الحياة اليومية للمواطن، وفي مقدمتها التشغيل والتعليم والصحة والماء والنقل والسكن والقدرة الشرائية والعدالة المجالية.

 

السؤال الذي يفرض نفسه

يطرح المغرب اليوم سؤالا يتجاوز حجم ما تحقق إلى طبيعة ما سيأتي.

هل يستطيع المغرب تحويل مرحلة الإنجاز إلى مرحلة جديدة عنوانها ترسيخ المكتسبات، ورفع جودة الخدمات، وتقوية الاقتصاد، وتوسيع دائرة الاستفادة من التنمية؟

لا تبدو الإجابة مرتبطة بمشروع واحد أو قطاع واحد، وإنما بقدرة مختلف المؤسسات والفاعلين على العمل ضمن رؤية متكاملة تجعل المواطن في قلب السياسات العمومية.

ويظل الرهان الأكبر هو الانتقال من مغرب المشاريع إلى مغرب النتائج، ومن الإنجاز باعتباره غاية إلى الإنجاز باعتباره وسيلة لبناء تنمية أكثر عدالة واستدامة وقدرة على مواجهة المستقبل.

وتبقى قوة المغرب الحقيقية في قدرته على تحويل التحديات إلى فرص، والإنجازات إلى مكتسبات دائمة، والانتظارات الاجتماعية إلى سياسات عمومية قابلة للقياس.

فالمستقبل لن يسأل فقط: ماذا أنجز المغرب؟ بل سيسأل أيضا:

ماذا فعل المغرب بما أنجزه؟

وهنا تبدأ، في الواقع، معركة ما بعد الإنجاز.

 

“يتبع”

التعليقات مغلقة.