مغاربة العالم: شريان اقتصادي نابض ولاء راسخ ومواهب تنتظر الاستثمار الوطني
"جريدة أصوات"
تشكل الجالية المغربية المقيمة بالخارج ركيزة أساسية من ركائز النسيج المجتمعي والاقتصادي للمملكة المغربية.
فمغاربة العالم ليسوا مجرد مهاجرين غادروا بحثا عن فرص أفضل بل هم سفراء دائمون لوطنهم يحملون همومه ويساهمون بشكل فعال في مسيرته التنموية.
غير أن قراءة واقع هذه الفئة تكشف عن مفارقات تستدعي الوقوف عندها بين ثقل المساهمة الاقتصادية وصدق الانتماء من جهة وبين التحديات المرتبطة بحقوقهم السياسية وتثمين كفاءاتهم من جهة أخرى.
المساهمة الاقتصادية: صمام أمان في مواجهة الأزمات
تعتبر التحويلات المالية لمغاربة العالم من أهم دعائم الاقتصاد المغربي، حيث تمثل مصدرا رئيسيا للعملة الصعبة وتلعب دورا حاسما في تقليص العجز التجاري.
هذه التحويلات لا تقتصر على دعم الأسر وتحسين قدرتها الشرائية فحسب، بل تتعداها لتشمل استثمارات في قطاعات العقار والخدمات والمشاريع الصغرى والمتوسطة. في أوقات الأزمات الاقتصادية أو الكوارث الطبيعية، أثبتت الجالية دائما أنها خط الدفاع الأول، حيث ترتفع مساهماتها التضامنية بشكل يعكس ارتباطاً عضويا لا تضعفه المسافات.
المفارقة السياسية: ولاء لا يشترط صناديق الاقتراع
على الرغم من هذا الثقل الاقتصادي والاجتماعي لا تزال مسألة التمكين السياسي للجالية المغربية محط نقاش مستمر. فرغم إقرار الوثيقة الدستورية بحقهم في التصويت والترشح والتعبير عن آرائهم في تدبير الشأن العام إلا أن التنزيل العملي لمشاركة هذه الشريحة في الانتخابات الوطنية لا يزال يواجه تعقيدات إجرائية وقانونية تحول دون ممارستهم لهذا الحق بشكل مباشر ومؤثر.
لكن اللافت للانتباه، والذي يثير الإعجاب، هو أن هذا التهميش السياسي أو التأخر في تفعيل الحقوق الانتخابية لم ينل يوما من وطنية الجالية. فحبهم للمغرب ودفاعهم عن قضاياه العادلة في المحافل الدولية وتشجيعهم المستمر لبلدهم في كل المناسبات “الرياضية الثقافية والسياسية” يؤكد أن انتماءهم غير مشروط، وأن ارتباطهم بالوطن يتجاوز الحسابات السياسية الضيقة.
مواهب الجالية: ثروة وطنية خارج الحدود
إلى جانب المساهمة المالية، تزخر الجالية المغربية بكفاءات علمية وفكرية ورياضية وتقنية من الطراز الرفيع. في مستشفيات أوروبا ومختبرات أمريكا وكبريات الشركات العالمية نجد أسماء مغربية تبصم على نجاحات استثنائية. هذه الطاقات تمثل “رأسمالا بشريا غير ملموس” يمتلك من الخبرة والمعرفة ما يمكن أن يشكل رافعة حقيقية لجهود التنمية والتحديث داخل المغرب.
التساؤل الجوهري: من يحتضن هذه الكفاءات؟
أمام هذه المعطيات، يبرز التساؤل الملح: من يتولى تحويل هذا الزخم إلى واقع ملموس؟ وكيف يمكن للمغرب أن يستفيد بشكل استراتيجي من هذه المواهب العالية؟
الاستفادة من هذه الشريحة تتطلب تجاوز المقاربة التقليدية التي تنظر إلى الجالية كـ “خزان مالي” فقط نحو مقاربة تشاركية تدمجهم كـ “شركاء في التنمية”. وهذا يستدعي:
خلق بيئة مؤسساتية حاضنة: تأسيس وكالات أو منصات وطنية متخصصة تتمتع بالمرونة والشفافية مهمتها الأساسية رصد الكفاءات المغربية بالخارج وتسهيل اندماجها في المشاريع الوطنية الكبرى.
تحسين مناخ الاستثمار والتخلص من البيروقراطية: لتشجيع العقول وأصحاب رؤوس الأموال من الجالية على نقل مشاريعهم وخبراتهم إلى أرض الوطن دون التخوف من التعقيدات الإدارية.
تفعيل الحقوق الدستورية: التسريع بوضع آليات عملية تضمن حق التصويت والمشاركة السياسية مما يعزز شعور الجالية بالانتماء الكامل والمواطنة الفاعلة.
مغاربة العالم هم ثروة استراتيجية تتطلب إرادة حقيقية سياسية ومؤسساتية لرعايتها وتوجيه طاقاتها.
إن احتضان هذه المواهب وتوفير الأرضية الخصبة لها ليس مجرد رد للجميل، بل هو استثمار ذكي ومباشر في مستقبل المغرب.

التعليقات مغلقة.