أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

أقنعة المنفعة.. حين فضح شوبنهاور هشاشة العلاقات

"جريدة أصوات" بقلم: "محمد عيدني"

​حين نتأمل مسرح الحياة اليوم، حيث تتشابك العلاقات وتتقاطع الدروب في زحمة اليومي والمألوف نجد أنفسنا غالبا أمام مشهد اجتماعي يفيض بالمجاملات وتغلفه الابتسامات الرتيبة.

لكن ما إن نخدش قشرة هذا الواقع المعقد حتى تتجلى لنا حقيقة قاسية لطالما وضع الفيلسوف الألماني “آرثر شوبنهاور” أصبعه على جرحها الغائر حقيقة الأنانية المتأصلة في صميم الطبيعة البشرية.
​إن شوبنهاور الذي عرف بنظراته الثاقبة –وربما المفرطة في تشاؤمها– للنفس الإنسانية لم يتردد يوما في تعرية المحرك الأساسي لكثير من أفعالنا ألا وهو “المصلحة الشخصية”.

 

ففي فلسفته لا يتحرك الكائن البشري في الغالب إلا مدفوعا بإرادة عمياء تضخم “الأنا” وتجعل من محيطه، في أسوأ الحالات مجرد أدوات أو قناطر عبور لبلوغ غاياته الفردية.
​وهنا يحق لنا أن نتساءل وبمرارة: كم من علاقة في زماننا هذا نتوهم بسذاجة مفرطة أنها بنيت على صخرة الإخلاص والوفاء لتتكشف لنا مع أول عاصفة أو اختبار حقيقي أنها لم تكن سوى “صفقة” باردة تحكمها براغماتية المنفعة؟
​إننا نعيش اليوم في عصر تغولت فيه المادية، وأصبحت فيه المشاعر تتداول وتصرف في بورصة المصالح العابرة. لقد كان شوبنهاور دقيقا حين ألمح إلى أن الكثير مما نسميه “صداقة” أو “حبا” ليس سوى انعكاس لحاجتنا الذاتية وأن المودة الخالصة المنزهة عن الغرض هي عملة نادرة جدا في سوق البشرية المكتظ بالأقنعة.

​لذلك وأمام هذا الزغب الخادع الذي يحيط بتفاعلاتنا اليومية يصبح لزاما على الإنسان الواعي أن يمتلك بصيرة نافذة وميزانا دقيقا.

بصيرة تمكنه من فرز الغث من السمين، والتمييز الحاسم بين من يقترب منك طمعا في دفء نارك ومن يصر على البقاء إلى جانبك حتى حين ينطفئ رمادك.
​إن هذا التمييز بين المودة الصادقة والمصلحة العابرة لم يعد مجرد ترف فكري أو تأمل فلسفي نلوذ به في أوقات الفراغ بل هو اليوم درع واقٍ يحمي أرواحنا من قسوة الخيبات.

هو بوصلة ضرورية تبقينا على مسافة آمنة من أولئك الذين لا يرون فينا سوى “صلاحية” مؤقتة تنتهي بانتهاء الحاجة إلينا.

التعليقات مغلقة.