مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، يعود الجدل السياسي إلى الواجهة، وترتفع وتيرة الخطابات المتبادلة بين مختلف الفاعلين السياسيين. غير أن النقاش، في كثير من الأحيان، ينحرف عن جوهر المنافسة الديمقراطية، ليتحول إلى سجال حول الأشخاص بدل البرامج، وكأن نتائج الانتخابات تُحسم بأسماء معينة لا بإرادة الناخبين.
وخلال الأسابيع الأخيرة، برزت نقاشات واسعة عقب الحديث عن انضمام الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، إلى حزب الأصالة والمعاصرة، حيث اعتبر بعض المتابعين أن هذه الخطوة تعني أن نتائج الانتخابات التشريعية المقبلة أصبحت محسومة سلفًا، وأن الديمقراطية لم تعد سوى واجهة شكلية.
غير أن هذا الطرح يثير تساؤلات حول مدى انسجامه مع التجربة السياسية المغربية خلال السنوات الماضية. فإذا كانت نتائج الانتخابات معروفة مسبقًا، فكيف تمكن حزب العدالة والتنمية من الفوز بانتخابات سنتي 2011 و2016، رغم تأكيده آنذاك أن منافسه الرئيسي، حزب الأصالة والمعاصرة بقيادة إلياس العماري، يحظى بدعم واسع من ما كان يُعرف بـ”الدولة العميقة”؟
وتكشف محطات سياسية سابقة أن مثل هذه الخطابات تتكرر مع اقتراب كل موعد انتخابي، بينما أثبتت نتائج الاقتراع في أكثر من مناسبة أن الناخب المغربي قادر على تغيير كل التوقعات، وأن صناديق الاقتراع تبقى الفيصل في تحديد موازين القوى، بعيدًا عن النقاشات الدائرة على مواقع التواصل الاجتماعي.
وفي المقابل، يرى متابعون أن جزءًا من الجدل الحالي انصرف إلى التركيز على شخص فوزي لقجع، بدل مناقشة حصيلة الأحزاب السياسية وبرامجها المستقبلية. ويشير هؤلاء إلى أن لقجع لم يخض سوى تجربة حكومية واحدة بصفته وزيرًا منتدبًا مكلفًا بالميزانية، في حين أن عدداً من أبرز منتقديه راكموا تجارب حكومية متعددة، شملت المشاركة في ثلاث أو أربع حكومات، بل إن بعضهم تولى رئاسة الحكومة لولايتين متتاليتين، وكان جزءًا من القرارات التي رسمت ملامح الواقع الاقتصادي والاجتماعي الحالي.
ويرى مراقبون أن النقاش الانتخابي يفترض أن ينصب أساسًا على تقييم أداء الأحزاب عندما كانت في موقع المسؤولية، بدل الاكتفاء بالجدل حول انتقال شخصيات سياسية من حزب إلى آخر. فالمواطن، بحسب هذا المنظور، ينتظر إجابات عملية بشأن قضايا تمس حياته اليومية، من قبيل القدرة الشرائية، وخلق فرص الشغل، وتحسين جودة التعليم، وتطوير الخدمات الصحية، وتعزيز الاستثمار، وتقوية الثقة في المؤسسات.
وفي هذا السياق، يؤكد متابعون أن العمل السياسي لا يُقاس بقوة الشعارات أو بالحملات الرقمية، وإنما بمدى قدرة الأحزاب على تقديم حصيلة واضحة وبرامج واقعية تستجيب لتطلعات المواطنين.
كما يشدد هذا الطرح على أن الديمقراطية تقوم على ضمان حق جميع الفاعلين السياسيين في التنافس، دون منح حصانة لأي طرف من النقد أو إصدار أحكام مسبقة بشأن نتائج الانتخابات، باعتبار أن الكلمة الأخيرة تظل للناخب عبر صناديق الاقتراع.
ومع اقتراب موعد الانتخابات، يبقى الرهان الحقيقي، وفق هذا التصور، هو قدرة الأحزاب على إقناع المواطنين ببرامجها وإنجازاتها، بعيدًا عن السجالات الشخصية، لأن الحسم في نهاية المطاف لن يكون باسم سياسي أو حملة إعلامية، بل بإرادة المواطن عندما يتوجه إلى صندوق الاقتراع ويقارن بين الوعود التي سمعها والنتائج التي لمسها على أرض الواقع.

التعليقات مغلقة.