محمد عيدني
من المؤسف أن نرى بعض الناطقين بالعربية يصفقون لتصريحٍ سخيفٍ من وزيرٍ إسرائيلي مغمور، لا وزن له ولا تأثير، حين حاول السخرية من السعوديين بسبب ركوب الإبل، وكأنها سُبَّة أو رمز تخلّف! لم يُفاجأ السعوديون بمستوى الانحطاط في الخطاب، فكيانٌ بُني على الاغتصاب لا يمكن أن ينتج إلا مثل هذا الوضاعة، لكن المدهش حقًا هو أولئك الذين يتحدثون بالعربية ويستهينون برمزٍ من رموز العروبة، فقط لأنهم يكرهون الموقف السعودي الصريح من فلسطين.
ركوب الإبل ليس عيبًا، بل هويةٌ وفخرٌ وتاريخٌ حمل رسالة الإسلام إلى العالم. الإبل ليست بقايا ماضٍ، بل شاهدٌ على أصالةٍ لا تنكسر أمام موجات التقليد الأعمى. أما من يظن أن التقدم يعني الانسلاخ عن الجذور، فهو إنسان بلا هوية، يلهث خلف كل صوتٍ خارجي يهاجم وطنه، ظنًا منه أن ذلك يمنحه شهادة “تحررٍ فكري”.
الوزير الإسرائيلي الذي لم يسمع به أحد قبل هذه الواقعة، أراد أن يستفز شعبًا يملك تاريخًا أقدم من كيان دولته المصطنع، لكن الرد السعودي كان بسيطًا وواثقًا: لا نرد على الصغار. فالسعودية، بثقلها السياسي والديني، أكبر من أن تنجر إلى سجالٍ مع أصواتٍ تبحث عن فتات شهرة.
الأغرب من ذلك هو موقف بعض الشعوبيين العرب الذين وجدوا في التصريح مادة شماتة، واحتفوا بها وكأنها انتصار! هؤلاء أنفسهم يتهمون المملكة – في تناقضٍ فج – بالتطبيع مع إسرائيل! كيف يجتمع الفرح بإهانةٍ إسرائيلية مع تهمة التطبيع في عقلٍ واحد؟ إنها ازدواجيةٌ تكشف ضياع البوصلة الأخلاقية والفكرية لدى هؤلاء.
المملكة العربية السعودية لم تساوم يومًا على القضية الفلسطينية. موقفها ثابت: لا تطبيع قبل قيام دولةٍ فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية. من يعرف تاريخ الدبلوماسية السعودية يدرك أن هذا الثبات ليس شعارًا بل ممارسة، وأن الرياض لم تساوم على ثوابتها مهما تغيرت الظروف.
الحديث الإسرائيلي عن “الإبل” ليس إهانةً للسعوديين، بل دليل على إفلاسٍ سياسي، فحين تعجز عن تحقيق اختراقٍ دبلوماسي، لا يبقى لك سوى السخرية. أما أولئك الذين رددوا السخرية بلسانٍ عربي، فقد أهانوا أنفسهم قبل غيرهم، لأن الإبل ليست رمزًا سعوديًا فحسب، بل عربيًا جامعًا يشهد على حضارةٍ تشق طريقها منذ قرون.
السعودية اليوم تجمع بين الأصالة والمعاصرة: تبني الصواريخ كما كانت تركب الإبل، وتشيّد المراكز البحثية كما نصبت خيام البادية. هذه هي الحداثة الحقيقية: أن تتطور دون أن تفقد هويتك.
في النهاية، من يظن أن التطور يعني احتقار الجذور، فهو لا يملك لا تاريخًا ولا مستقبلًا. والسعودية – بثباتها وصمتها الواثق – تعرف قيمتها وتعرف أين تسير. فلتقل إسرائيل ما تشاء، وليفرح الشعوبيون بما يشاؤون؛ فالإبل التي يسخرون منها حملت رسالة حضارةٍ لا تنكسر، أما هم فلا يحملون إلا عقدة النقص.
نعم، نحن نركب الإبل.. ونفخر بذلك، لأنها رمزٌ لأمةٍ تعرف طريقها، ولا تركب الموجة لتنال رضا الأعداء.

التعليقات مغلقة.