أعاد قرار رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، الدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة يوم 29 نونبر 2026، العلاقات المغربية الإسبانية إلى واجهة النقاش السياسي، في ظل الترابط الوثيق بين الرباط ومدريد في ملفات استراتيجية تشمل الصحراء المغربية، والهجرة، والأمن، والتبادل التجاري والاقتصادي، فضلا عن القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك.
ويأتي هذا القرار عقب انتكاسة برلمانية تعرضت لها الحكومة الإسبانية يوم 2 أكتوبر الجاري، بعدما رفض مجلس النواب مرسومين تقدمت بهما لمعالجة أزمة السكن، إثر تصويت الحزب الشعبي وحزب فوكس وحزب جونتس وأحزاب أخرى ضدهما. وحصل أحد المرسومين على 172 صوتا مؤيدا مقابل 178 صوتا معارضا، ما عمق الصعوبات السياسية التي تواجه حكومة سانشيز.
وتضمنت الإجراءات المقترحة تمديد عقود الإيجار، والحد من الزيادات في بعض الحالات، وتقييد عمليات شراء المساكن من طرف بعض الشركات الاستثمارية، إلى جانب تدابير ضريبية لفائدة الملاك والمكترين.
أزمة السكن في قلب المعركة الانتخابية
تراهن حكومة سانشيز على جعل أزمة السكن أحد أبرز محاور الحملة الانتخابية المقبلة، بعدما تحولت إلى قضية اجتماعية ضاغطة، خصوصا في صفوف الشباب والأسر ذات الدخل المحدود، في ظل تصاعد تكاليف الإيجار وصعوبة الحصول على مساكن بأسعار مناسبة.
وقد ساهمت قضية المسنة ماريا ديل كارمن أباسكال، البالغة من العمر 87 سنة، في تسليط الضوء على أبعاد هذه الأزمة، بعدما عاشت في شقتها لمدة 71 سنة، قبل أن تواجه الإفراغ في شتنبر الماضي إثر نزاع طويل مع الشركة المالكة للعقار، التي اقترحت رفع الإيجار من 440 يورو إلى 1650 يورو، بزيادة بلغت 275 في المائة.
وأثارت القضية احتجاجات في مدريد ومدن إسبانية أخرى، قبل التوصل إلى اتفاق يسمح لها بالعودة إلى منزلها مقابل إيجار جديد أقل، لتتحول الواقعة إلى إحدى القضايا التي غذت النقاش العام حول حقوق المكترين وارتفاع أسعار السكن.
وفي مواجهة هذه التطورات، تسعى الحكومة إلى تقديم أزمة السكن باعتبارها اختبارا لقدرة المؤسسات على الاستجابة للمطالب الاجتماعية، بينما تدعو المعارضة، بقيادة الحزب الشعبي، إلى زيادة العرض العقاري وتسريع وتيرة البناء وتخفيف القيود التنظيمية، معتبرة أن معالجة الأزمة لا ينبغي أن تقتصر على فرض قيود على الإيجارات والسوق العقارية.
وهكذا، ينتظر أن تشكل السياسات السكنية إحدى أبرز نقاط المواجهة بين الاشتراكيين واليمين خلال الانتخابات المقبلة، إلى جانب ملفات الاقتصاد والتشغيل والقدرة الشرائية.
المغرب في قلب الحسابات السياسية الإسبانية
بالنسبة إلى المغرب، تتجاوز أهمية الانتخابات الإسبانية المقبلة حدود التنافس الحزبي الداخلي، بالنظر إلى التحول الذي عرفته العلاقات بين البلدين منذ سنة 2022، عندما أعلنت حكومة سانشيز دعمها للمبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها أساسا جديا وواقعيا لتسوية النزاع الإقليمي حول الصحراء.
ومنذ ذلك التحول، عملت الرباط ومدريد على تعزيز التعاون الثنائي في مجالات الهجرة والأمن والاقتصاد والتجارة، في إطار صفحة جديدة من العلاقات التي اتسمت، في مراحل سابقة، بالتوتر والخلاف حول عدد من القضايا السياسية والإقليمية.
غير أن هذا التوجه لم يحظ بإجماع داخل إسبانيا، إذ واجه سانشيز انتقادات من قوى المعارضة، التي جعلت من تدبير العلاقات مع المغرب، وخصوصا ملف الصحراء وقضايا سبتة ومليلية والهجرة، موضوعا للنقاش السياسي.
ومن هذا المنطلق، تكتسي نتائج انتخابات 29 نونبر أهمية خاصة بالنسبة إلى الرباط، لأن هوية الحكومة المقبلة قد تؤثر في طريقة إدارة الملفات المشتركة، حتى وإن ظلت المصالح الاقتصادية والأمنية والجغرافية عاملا أساسيا في استمرار التعاون بين البلدين.
عودة سانشيز أم وصول الحزب الشعبي؟
في حال استمرار الاشتراكيين في قيادة الحكومة، فإن ذلك قد يتيح مواصلة النهج الذي اعتمدته مدريد منذ سنة 2022، خصوصا في ما يتعلق بالموقف من مبادرة الحكم الذاتي وتعزيز التعاون الأمني والاقتصادي مع المغرب.
أما في حال وصول الحزب الشعبي، بقيادة ألبيرتو نونيث فيخو، إلى رئاسة الحكومة، فقد تبرز مراجعة لبعض مقاربات السياسة الخارجية الإسبانية، في ضوء الانتقادات التي وجهها الحزب إلى طريقة تدبير سانشيز للعلاقات مع الرباط، بما في ذلك ملف الصحراء وأزمة سبتة ومليلية.
ولا يعني هذا الاحتمال بالضرورة حدوث قطيعة بين البلدين، فالمغرب يظل شريكا مهما لإسبانيا في قضايا متعددة، كما أن المصالح المتبادلة تفرض استمرار قنوات التواصل والتنسيق. غير أن الاختلاف المحتمل في ترتيب الأولويات أو إدارة بعض الملفات قد يفتح المجال أمام نقاشات جديدة، وربما خلافات دبلوماسية بحسب طبيعة القرارات التي ستتخذها الحكومة المقبلة.
وتستحضر العلاقات بين البلدين، في هذا السياق، أزمة جزيرة ليلى سنة 2002، خلال فترة رئاسة خوسي ماريا أثنار للحكومة الإسبانية، حين تحولت قضية إقليمية محدودة إلى أزمة سياسية ودبلوماسية وأمنية حادة، بما يؤكد حساسية بعض الملفات في مسار العلاقات الثنائية.
مغاربة إسبانيا يترقبون بدورهم
لا تقتصر تداعيات الانتخابات الإسبانية على العلاقات الرسمية بين الرباط ومدريد، بل تمتد أيضا إلى المغاربة المقيمين بإسبانيا، الذين يرتبط جزء من أوضاعهم اليومية بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية والهجرية التي تعتمدها الحكومة الإسبانية.
فالنقاش حول السكن والقدرة الشرائية والتشغيل والهجرة يهم شريحة واسعة من المقيمين المغاربة، كما أن أي تغييرات في السياسات العمومية المرتبطة بهذه المجالات قد تكون لها انعكاسات على ظروف عيشهم وإدماجهم الاجتماعي والاقتصادي.
ومن ثم، فإن نتائج الاستحقاق المقبل ستكون موضع اهتمام لدى الجالية المغربية، إلى جانب متابعة تأثيرها المحتمل على التعاون القنصلي والاجتماعي والاقتصادي بين البلدين.
اختبار جديد لمسار العلاقات الثنائية
تضع الانتخابات التشريعية الإسبانية المبكرة العلاقات المغربية الإسبانية أمام محطة سياسية جديدة، عنوانها الأساسي مدى استمرارية التوجه الذي أطلقته حكومة سانشيز منذ سنة 2022، أو احتمال إدخال تعديلات على بعض محددات السياسة الخارجية الإسبانية.
وبينما تظل أزمة السكن والرهانات الاجتماعية في صدارة الحسابات الانتخابية الداخلية، تراقب الرباط مآلات التنافس السياسي في مدريد، بالنظر إلى انعكاساته المحتملة على ملفات الصحراء والهجرة والأمن والتبادل الاقتصادي.
وعليه، لن تقتصر أهمية انتخابات 29 نونبر على تحديد ملامح الأغلبية الحكومية المقبلة في إسبانيا، بل ستتجاوزها إلى اختبار قدرة البلدين على الحفاظ على استقرار علاقاتهما الاستراتيجية، مهما كانت هوية الحكومة التي ستتولى تدبير المرحلة المقبلة.

التعليقات مغلقة.