أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

البحرين بين التحالف الأمريكي ومخاطر التصعيد مع إيران

جريدة أصوات

أعاد التصعيد المتجدد بين الولايات المتحدة وإيران وضع مملكة البحرين في صدارة النقاشات الأمنية والاستراتيجية بمنطقة الخليج، في ظل مخاوف متزايدة من احتمال عودة المواجهة العسكرية، وما قد يترتب عنها من تداعيات تتجاوز حدود الدولتين لتطال أمن المنطقة واستقرار الاقتصاد العالمي وحركة الملاحة الدولية. الوسوم
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة للمنامة، التي تحتضن مقر الأسطول الخامس الأمريكي، وتشكل أحد أبرز حلفاء واشنطن في منطقة الخليج. فالموقع الاستراتيجي للمملكة يجعلها طرفاً مؤثراً في منظومة الأمن البحري الإقليمي، لكنه يضعها أيضاً أمام تحديات دقيقة في ظل ارتفاع منسوب التوتر بين القوى المتنافسة في المنطقة.
وقد سلطت وكالة «رويترز»، في تقرير نشرته يوم 2 نونبر الجاري، الضوء على مخاوف دول الخليج من اندلاع جولة جديدة من المواجهة الأمريكية الإيرانية، مشيرة إلى أن الدول التي تستضيف قواعد ومنشآت عسكرية أمريكية تخشى أن تتحول هذه المواقع إلى أهداف محتملة في حال اتساع رقعة الصراع. كما تناول التقرير المخاطر التي قد تطال منشآت الطاقة وتحلية المياه والاتصالات والبنية التحتية المدنية.
وفي هذا السياق، جاء انعقاد الدورة الثانية والعشرين من حوار المنامة، خلال الفترة الممتدة من 30 أكتوبر إلى فاتح نونبر 2026، ليؤكد المكانة التي بات يحتلها هذا المنتدى باعتباره منصة دولية لمناقشة التحديات الأمنية والسياسية التي تواجه الشرق الأوسط. وقد جمع مسؤولين حكوميين ووزراء دفاع وخارجية وقادة عسكريين وخبراء من عدة دول، في نقاشات ركزت على أمن المنطقة والتوازنات الدولية ومستقبل التعاون الدفاعي.
وخلال افتتاح المنتدى، شدد ولي العهد رئيس مجلس الوزراء البحريني الأمير سلمان بن حمد آل خليفة على أهمية حماية الممرات المائية الحيوية وضمان حرية الملاحة الدولية، باعتبارهما عنصرين أساسيين لاستقرار المنطقة ودعم التجارة والتنمية والازدهار العالمي.
كما عكست اللقاءات الثنائية التي شهدها المنتدى استمرار التنسيق العسكري بين البحرين والولايات المتحدة، حيث بحث مستشار الأمن الوطني وقائد الحرس الملكي، الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة، مع نائب الأدميرال كورت رينشاو، قائد القوات البحرية الأمريكية في القيادة المركزية والأسطول الخامس والقوات البحرية المشتركة، سبل تعزيز التعاون الدفاعي وأمن الممرات البحرية.
غير أن أهمية هذه الشراكة تطرح في المرحلة الراهنة تساؤلات استراتيجية تتعلق بقدرة الترتيبات الأمنية القائمة على حماية دول الخليج من تداعيات أي مواجهة جديدة. فوجود قواعد عسكرية متقدمة يوفر إمكانات دفاعية وردعية مهمة، لكنه قد يجعل المنشآت المرتبطة بها ضمن حسابات الاستهداف العسكري في حالة اندلاع حرب واسعة.
ولا تقتصر المخاطر المحتملة على الجانب العسكري، إذ إن أي اضطراب في منطقة الخليج قد ينعكس بصورة مباشرة على أسواق الطاقة والتجارة العالمية، بالنظر إلى الأهمية الحيوية للممرات البحرية التي تمر عبرها كميات كبيرة من النفط والغاز والسلع التجارية. كما أن استهداف المنشآت المدنية أو تعطيل الخدمات الأساسية من شأنه أن يضع المجتمعات الخليجية أمام تحديات إنسانية واقتصادية صعبة.
وفي المقابل، تبدو دول المنطقة أكثر إدراكاً لخطورة الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة. فقد عبّر المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، أنور قرقاش، خلال مشاركته في حوار المنامة، عن أمله في تحقيق اختراق دبلوماسي يمنع تجدد المواجهة بين واشنطن وطهران، محذراً من أن الحلول العسكرية لن تقدم مخارج سريعة للأزمة، بل قد تزيد المشهد تعقيداً.
وتكشف هذه المواقف عن رغبة خليجية واضحة في تجنب حرب جديدة، دون التفريط في الشراكات الدفاعية أو متطلبات حماية السيادة الوطنية. وهو توازن يتطلب تعزيز التنسيق الإقليمي، وتطوير القدرات الدفاعية، وفي الوقت نفسه توسيع قنوات الحوار السياسي والدبلوماسي.
إن التحدي الحقيقي أمام البحرين لا يرتبط فقط بموقعها العسكري أو بعلاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، بل بقدرتها على حماية استقرارها الوطني في بيئة إقليمية تتسم بتعدد المصالح وتضارب الحسابات. كما أن أمن المملكة يظل مرتبطاً بأمن بقية دول مجلس التعاون الخليجي، وبمدى نجاح الجهود الجماعية في منع التصعيد وحماية المنشآت الحيوية والممرات البحرية.
ومن منظور استراتيجي، فإن المرحلة الحالية تفرض الانتقال من منطق الاستعداد للمواجهة إلى بناء منظومة متكاملة للأمن الإقليمي، تقوم على احترام سيادة الدول، وعدم استهداف المدنيين، وضمان حرية الملاحة، وتغليب الحلول السياسية على الخيارات العسكرية.
إن البحرين تقف اليوم أمام اختبار دقيق بين متطلبات التحالفات الدفاعية وضرورات الاستقرار الإقليمي. وبينما تتواصل التحركات الدبلوماسية لتفادي مواجهة جديدة، يبقى السؤال المركزي: هل تستطيع دول الخليج ضمان أمنها دون أن تتحول أراضيها ومنشآتها الحيوية إلى ساحة لتصفية الصراعات الدولية؟

التعليقات مغلقة.