في مفارقة تعكس جانباً مقلقاً من واقع النقاش العمومي في عصر المنصات الرقمية، تحولت التفاتة عفوية وتعبير شعبي تلقائي تجاه السيدة فاطمة الزهراء المنصوري إلى مادة لجدل واسع، انتقل من مواقع التواصل الاجتماعي إلى بعض حلقات البودكاست، وكأن الأمر يتعلق بقضية سياسية مركزية تستوجب كل هذا الاستنفار.
غير أن الإشكال الحقيقي لا يرتبط بالتصرف في حد ذاته، ولا بحق الأفراد في إبداء مواقفهم تجاهه، وإنما بحجم الاهتمام الذي حظي به تفصيل عابر، في وقت تتراجع فيه قضايا أكثر إلحاحاً تمس حياة المواطنين ومستقبل البلاد.
فهل أصبح النقاش العمومي منشغلاً بتحليل حركة عفوية وتأويل دلالاتها، بينما تواجه البلاد تحديات حقيقية في مجالات الماء والتعليم والصحة والتشغيل والقدرة الشرائية والتنمية المجالية؟ وهل يعقل أن تُستهلك ساعات من النقاش حول لقطة قصيرة، بينما تحتاج السياسات العمومية إلى قراءة دقيقة ومساءلة تستند إلى المعطيات والأرقام والنتائج؟
حين يتحول «البوز» إلى أولوية
تكمن خطورة ظاهرة «البوز» ليس فقط في انتشار محتويات سطحية أو عابرة، وإنما في قدرتها على إعادة ترتيب أولويات النقاش العام.
ففي كثير من الأحيان، تعمل صناعة المحتوى الرقمي وفق قاعدة واضحة: كلما كان الموضوع أكثر إثارة أو استفزازاً، زادت فرص انتشاره ووصوله إلى الجمهور.
وهكذا قد يصبح التصرف العفوي أكثر جذباً للمشاهدات من تقرير يناقش حصيلة قطاع حكومي، وقد تحظى السخرية من مشهد قصير بتفاعل أكبر من تحقيق يبحث في أسباب اختلال اجتماعي أو اقتصادي.
وبينما ترفع الخوارزميات المحتويات الأكثر إثارة، تتراجع في المقابل مساحة النقاش الهادئ الذي يحتاج إلى وقت للفهم والتحليل، ما يطرح سؤالاً جوهرياً حول طبيعة الأولويات التي ينبغي أن تحكم النقاش العمومي.
السياسة لا تُقاس بحركة عابرة
تتمثل مسؤولية الإعلام وصناع المحتوى في عدم الانجرار وراء كل تفصيل قابل للاستهلاك السريع وتحويله إلى قضية عامة.
فحرية التعبير لا تعني أن كل حركة أو إشارة أو تصرف عابر يجب أن يتحول إلى مادة سياسية، كما أن النقد السياسي لا ينبغي أن ينزلق إلى مراقبة الأشخاص وملاحقة تفاصيل سلوكهم أو البحث عن نوايا خفية وراء تصرفات تلقائية.
النقد الحقيقي هو الذي يضع المسؤول أمام حصيلته، والسياسة أمام نتائجها، والقرار العمومي أمام أثره المباشر على حياة المواطنين.
فالمعيار الأساسي للحكم على الأداء السياسي لا ينبغي أن يكون لقطة عابرة، وإنما ما تحقق على أرض الواقع، وما تم إنجازه، وما بقي من وعود والتزامات، ومدى انعكاس السياسات العمومية على حياة المواطنين.
الأسئلة الحقيقية خارج دائرة «البوز»
المواطن المغربي لا يحتاج بالدرجة الأولى إلى من يتولى تفسير لغة الجسد أو البحث عن رسائل خفية خلف تصرف تلقائي، بقدر ما يحتاج إلى إعلام يطرح الأسئلة الجوهرية التي ترتبط بحياته اليومية ومستقبله.
ماذا تحقق في مجال التعليم؟ وأين وصلت إصلاحات قطاع الصحة؟ وكيف يمكن مواجهة البطالة؟ وما الإجراءات الكفيلة بحماية القدرة الشرائية؟ وكيف يمكن تحقيق تنمية مجالية أكثر عدالة وإنصافاً؟
هذه هي الأسئلة التي يفترض أن تحتل موقعاً متقدماً في النقاش العمومي، لأنها ترتبط مباشرة بالمصلحة العامة وبمستقبل المجتمع.
أما تحويل هذه القضايا إلى هامش، واستبدالها بجدل متواصل حول مقاطع قصيرة وتفاصيل عابرة، فإنه قد يقود إلى اختزال خطير لمفهوم السياسة والعمل العام.
فالمجتمع الذي يستهلك جزءاً كبيراً من طاقته في متابعة التفاصيل المثيرة قد يجد نفسه، مع مرور الوقت، أقل قدرة على إنتاج نقاش جاد حول القضايا التي تحدد مستقبله.
الخوارزميات.. حين يكافأ المحتوى الأكثر إثارة
لا يمكن في هذا السياق تجاهل الدور الذي تلعبه خوارزميات المنصات الرقمية في تعزيز هذا النمط من المحتوى.
فالمواد التي تثير الغضب أو السخرية أو الاستقطاب تكون في كثير من الحالات أكثر قابلية للانتشار من المحتويات الهادئة التي تتطلب وقتاً للفهم والاستيعاب.
ومع تصاعد سباق المشاهدات والإعجابات، يصبح بعض صناع المحتوى أكثر ميلاً إلى اختيار الطريق الأسرع: التقاط لقطة، إثارة الجدل، فتح باب التأويل، ثم انتظار موجة التفاعل.
لكن اختزال المسؤولية في الخوارزميات وحدها لا يكفي، لأن جزءاً من المشكلة يرتبط أيضاً بضعف الوساطة الفكرية والإعلامية في بعض الحالات، وهو ما فتح المجال أمام أصوات متعددة للوصول إلى جمهور واسع دون أن تكون بالضرورة مؤهلة لتقديم قراءة متوازنة أو نقاش يستند إلى المعرفة.
عندما يصبح الصوت الأعلى أقوى من الفكرة
لم يعد امتلاك الميكروفون مرتبطاً بالضرورة بامتلاك المعرفة، كما لم تعد القدرة على جذب الانتباه دليلاً على عمق الفكرة أو جودة التحليل.
وفي بعض الأحيان، يستطيع الصوت الأعلى أن يطغى على الصوت الأكثر عمقاً، خصوصاً عندما تتحول المنافسة إلى سباق من أجل المشاهدات والتفاعل بدلاً من التنافس حول جودة المحتوى وقوة الحجة.
وهنا تبرز الحاجة إلى إعلام مهني قادر على إعادة ترتيب الأولويات، وإلى نخب ثقافية وسياسية قادرة على مواجهة ثقافة الاستسهال، ليس من خلال منع الناس من التعبير، وإنما عبر تقديم محتوى أكثر قيمة وجاذبية، يثبت أن النقاش الجاد يمكن أن يكون مؤثراً دون الحاجة إلى افتعال المعارك.
المغرب يحتاج إلى نقد حقيقي
إن المغرب يحتاج إلى نقد حقيقي، وإلى صحافة تراقب وتسائل وتكشف مكامن الخلل، وإلى فضاء عمومي يسمح بالاختلاف وتعدد الآراء.
لكن الحاجة تظل قائمة أيضاً إلى التمييز بين النقد الذي يخدم المصلحة العامة والضجيج الذي لا ينتج سوى مزيد من الاستقطاب.
فليس كل محتوى يحقق ملايين المشاهدات يستحق بالضرورة أن يتحول إلى قضية وطنية، وليس كل مقطع قصير قادراً على اختزال شخصية سياسية أو تجربة مهنية أو مسار كامل.
المشاهدة العالية لا تمنح المحتوى تلقائياً قيمة سياسية أو معرفية، كما أن الانتشار الواسع لا يمثل بالضرورة دليلاً على أهمية الموضوع.
استعادة قيمة العقل في النقاش العمومي
لقد أصبح من الضروري إعادة الاعتبار للتحليل بدل الانفعال، وللمعلومة بدل الإشاعة، وللحجة بدل الصراخ.
فالأوطان لا تتقدم بعدد «الترندات» التي تصنعها، وإنما بقدرتها على تحويل النقاش العمومي إلى مساحة حقيقية للاقتراح والمساءلة والإصلاح.
إن قوة المجتمع لا تقاس فقط بقدرته على إنتاج المحتوى وتداوله، وإنما أيضاً بقدرته على التمييز بين ما يستحق الاهتمام وما ينبغي أن يبقى في دائرة التفاصيل العابرة.
أما «البوز»، مهما ارتفع صوته واتسعت دائرة انتشاره، فإنه يظل في نهاية المطاف عابراً، بينما تبقى القضايا الحقيقية قائمة وتحتاج إلى من يمتلك الشجاعة والجدية لفتحها ومناقشتها بعيداً عن الإثارة والاستسهال.
فالوطن أكبر من لقطة، والسياسة أكبر من «بوز»، والعقل العمومي أكبر من أن يُختزل في مشهد عابر.
إن استعادة النقاش العمومي لعمقه ليست مسؤولية الإعلام وحده، وإنما مسؤولية مشتركة بين الصحفي وصانع المحتوى والسياسي والمثقف والمواطن، حتى يصبح الفضاء الرقمي مجالاً لإنتاج الأفكار والمساءلة والاقتراح، لا مجرد ساحة لتضخيم التفاصيل العابرة.
التعليقات مغلقة.