لم تعد الإشاعة في عصر المنصات الرقمية مجرد حديث عابر ينتهي بانتهاء جلسة أو نقاش، بل تحولت إلى أداة قادرة على صناعة البلبلة، والتأثير في النقاش العمومي، وتشويه صورة المؤسسات، وإرباك الرأي العام خلال وقت وجيز.
وفي ظل مواصلة المغرب لمساره التنموي، وما يشهده من أوراش كبرى واستثمارات ومشاريع استراتيجية، تبرز الحاجة إلى مستوى جديد من اليقظة الإعلامية والمجتمعية، لمواجهة الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة والمحتويات مجهولة المصدر، التي قد تتحول بفعل سرعة تداولها إلى ما يشبه “الحقيقة” في أذهان المتلقين.
عندما تتجاوز الإشاعة سرعة الخبر
تكمن خطورة الإشاعة ليس فقط في كونها قد تكون كاذبة أو تفتقر إلى الدقة، وإنما في قدرتها على الانتشار بوتيرة أسرع بكثير من قدرة الجهات المعنية على تصحيحها أو تفنيدها.
فمنشور مجهول المصدر، أو تسجيل صوتي غير موثق، أو صورة قديمة يعاد استخدامها خارج سياقها، أو عنوان مثير لا يعكس مضمون المادة التي يتصدرها، كلها أساليب يمكن أن تساهم في صناعة انطباعات مغلوطة لدى الجمهور.
ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي اليوم لا يرتبط بمستخدم أو منصة بعينها، بقدر ما يرتبط بثقافة النشر دون تحقق.
فليس كل ما يتم تداوله على منصات التواصل الاجتماعي خبراً، وليس كل ما يقال حقيقة، كما أن تداول مقطع فيديو أو وثيقة على نطاق واسع لا يعني بالضرورة صحة الادعاءات المرافقة لها.
من يقف وراء حملات التضليل؟
من الطبيعي أن يطرح المجتمع أسئلة حول مصادر المعلومات المشبوهة، والجهات التي قد تستفيد من نشر أخبار كاذبة أو تضخيم أحداث معينة أو إخراج وقائع من سياقها.
غير أن الصحافة المهنية لا يمكنها أن تبني مواقفها على التخمين أو الاستنتاجات غير المدعومة بالأدلة.
فالاتهام يحتاج إلى دليل، والادعاء يحتاج إلى مصدر، والخبر يحتاج إلى تحقق.
وهنا تتجلى قوة الإعلام المهني، الذي يستطيع مواجهة التضليل دون أن يتحول، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى جزء من عملية نشره.
فالتصدي لمن يسعى إلى التشويش لا يكون بإنتاج إشاعة مضادة، أو نشر معلومات غير موثقة، وإنما بتقديم الحقيقة كاملة، والاستناد إلى الوثائق والمصادر الموثوقة، واعتماد التحقيق الصحفي المهني.
الإعلام المغربي أمام مسؤولية متزايدة
لم يعد من المقبول أن يتحول بعض المحتوى الرقمي المتداول إلى بديل عن الصحافة المهنية، التي تقوم وظيفتها الأساسية على التحقق والتدقيق والتحليل ووضع الأحداث في سياقها الصحيح.
وعندما تظهر إشاعة أو معلومة مشكوك في صحتها، يفترض أن ينطلق الصحافي من مجموعة من الأسئلة الأساسية: ما مصدر هذه المعلومة؟ وما الأدلة التي تستند إليها؟ ومن المستفيد من انتشارها؟ وهل يمكن تأكيدها من مصادر مستقلة وموثوقة؟
هذه الأسئلة هي التي تميز الصحافة عن الإشاعة، والمهنية عن الإثارة، والتحقيق عن الترويج.
ومن هذا المنطلق، أصبح الإعلام الوطني مطالباً بتعزيز حضوره، وتسريع عملية تقديم المعلومة الصحيحة، وتطوير قدرته على تفكيك الأخبار المضللة قبل أن تتحول إلى قناعات راسخة لدى الجمهور.
التواصل المؤسساتي.. مسؤولية أساسية في مواجهة الإشاعة
غير أن مواجهة التضليل لا تقع على عاتق وسائل الإعلام وحدها، إذ تتحمل المؤسسات أيضاً مسؤولية مهمة في هذا المجال.
فكلما غابت المعلومة الرسمية أو تأخر توضيح واقعة معينة، اتسعت مساحة التأويل، وازدادت فرص انتشار الشائعات وتعدد الروايات المتداولة حول الموضوع نفسه.
لذلك، أصبح التواصل المؤسساتي السريع والواضح والشفاف جزءاً أساسياً من حماية الثقة العامة.
فالمعلومة الرسمية الدقيقة، عندما تقدم في الوقت المناسب، قادرة على قطع الطريق أمام التأويلات الخاطئة، وتقليص المساحات التي تتحرك فيها الأخبار الزائفة.
المواطن.. خط الدفاع الأول
ورغم أهمية دور الإعلام والمؤسسات، يبقى المواطن الحلقة الأهم في منظومة مواجهة التضليل.
وقبل الضغط على زر “مشاركة”، ينبغي طرح مجموعة من الأسئلة البسيطة: من نشر هذه المعلومة؟ ومتى؟ وما مصدرها؟ وهل توجد جهة موثوقة تؤكد صحتها؟
وقد يكون التوقف لبضع ثوانٍ قبل إعادة نشر محتوى مجهول المصدر كفيلاً بمنع انتشار خبر كاذب إلى آلاف الأشخاص.
ومن هنا تبرز أهمية المواطنة الرقمية، التي لم تعد مجرد مفهوم مرتبط باستخدام التكنولوجيا، بل أصبحت مسؤولية حقيقية، خصوصاً في ظل تحول الهاتف والمنصات الرقمية إلى أدوات مؤثرة في تشكيل الرأي العام.
لا خوف من النقد.. والخطر في التضليل
إن حماية الوطن والمكتسبات لا تعني بأي شكل من الأشكال إغلاق باب النقد أو التضييق على الاختلاف في وجهات النظر.
لكن من الضروري التمييز بين النقد القائم على الوقائع والمعطيات، وبين التضليل المتعمد، كما يجب الفصل بين السؤال المشروع والادعاء الذي يقدم للرأي العام باعتباره حقيقة دون الاستناد إلى دليل.
وهذا التمييز ينبغي أن يظل حاضراً في الخطاب الإعلامي والعمومي، حتى لا تختلط حرية التعبير بنشر معلومات مضللة أو غير موثوقة.
الحقيقة.. السلاح الأقوى في مواجهة التضليل
يحتاج المغرب اليوم إلى إعلام قوي ومهني، يتمتع بالاستقلالية في ممارسته الصحفية، ويضع التحقق من المعلومات قبل النشر في صلب عمله، وينتقد دون تجريح، ويكشف مكامن الخلل دون تشهير، ويواجه الإشاعة دون أن يتحول إلى أداة إضافية لانتشارها.
فالإعلام الذي يحرس الحقيقة لا يحمي مؤسسة بعينها فقط، وإنما يدافع عن حق المواطن في الوصول إلى المعلومة، ويحمي النقاش العمومي من الفوضى، ويساهم في ترسيخ الثقة داخل المجتمع.
وفي المقابل، فإن كل مواطن يمتنع عن مشاركة خبر مجهول المصدر يساهم في مواجهة التضليل، وكل صحافي يتحقق من معلومة قبل نشرها يشكل حاجزاً أمام الإشاعة، وكل مؤسسة تتواصل مع المواطنين بوضوح وسرعة تغلق منفذاً يمكن أن يستغله مروجو الأخبار الزائفة.
معركة الحقيقة مسؤولية جماعية
إن المعركة اليوم هي قبل كل شيء معركة من أجل الحقيقة.
وسلاحها الأقوى ليس الصراخ أو التخوين أو تبادل الاتهامات، وإنما المعلومة الموثوقة، والصحافة المهنية، والوعي المجتمعي، والتواصل المؤسساتي المسؤول.
فعندما تنتصر الحقيقة، تتراجع الإشاعة، وعندما يقوى الإعلام المهني، تضيق مساحة التضليل، وحين يصبح المواطن أكثر وعياً بضرورة التحقق قبل المشاركة، يفقد مروجو الأخبار الزائفة جزءاً كبيراً من قدرتهم على التأثير.
وهنا تتجلى المسؤولية الحقيقية للإعلام الوطني: أن يكون عيناً مفتوحة على الحقيقة، وصوتاً مهنياً ينقل انشغالات المواطن، وسداً أمام التضليل، لا مجرد صدى لما يتم تداوله على منصات التواصل الاجتماعي.
إن حماية الثقة العامة وصون المكتسبات لا يتحققان بمنع النقد أو إسكات الاختلاف، وإنما ببناء فضاء إعلامي يقوم على الدقة والتحقق والمسؤولية، ويجعل من الحقيقة أساساً للنقاش العمومي.
وفي زمن تتسارع فيه المعلومة قبل التحقق منها، تظل الصحافة المهنية والوعي المجتمعي والتواصل المسؤول أهم أدوات حماية المجتمع من الفوضى المعلوماتية، وترسيخ الثقة في المعلومة وفي المؤسسات.
التعليقات مغلقة.