أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

الحكم الذاتي والتنمية المجالية المندمجة مدخل جغرافي لتحقيق التنمية الترابية المستدامة

إعداد: بدر شاشا

يشكل موضوع الحكم الذاتي والتنمية المجالية المندمجة أحد أهم القضايا التي استقطبت اهتمام الباحثين في الجغرافيا والتخطيط الترابي والتنمية خلال العقود الأخيرة، وذلك بالنظر إلى التحولات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية التي يشهدها العالم، وما ترتب عنها من بروز حاجيات جديدة تتطلب اعتماد أنماط حديثة في تدبير المجالات الترابية. فلم يعد تحقيق التنمية رهينًا بالقرارات المركزية فقط، بل أصبح مرتبطًا بقدرة الجهات والأقاليم على تدبير شؤونها بكفاءة، واستثمار مؤهلاتها الطبيعية والبشرية والاقتصادية وفق رؤية تشاركية ومستدامة.

لقد أصبحت الجغرافيا الحديثة تنظر إلى المجال باعتباره نسقًا متكاملًا تتفاعل داخله العناصر الطبيعية والبشرية والاقتصادية والمؤسساتية، وهو ما يجعل التنمية المجالية عملية معقدة تستوجب التنسيق بين مختلف الفاعلين، سواء تعلق الأمر بالدولة أو الجماعات الترابية أو القطاع الخاص أو المجتمع المدني أو الساكنة المحلية. ومن هذا المنطلق برز مفهوم الحكم الذاتي باعتباره آلية متقدمة للحكامة الترابية تسمح بتقريب القرار من المواطن، وتعزيز المشاركة الديمقراطية، وتحقيق العدالة المجالية، والرفع من جودة الخدمات العمومية، وتحفيز الاستثمار، وضمان استغلال عقلاني للموارد المحلية.

يرتبط الحكم الذاتي من الناحية الجغرافية بمبدأ توزيع السلطة بين الدولة المركزية والوحدات الترابية، بما يسمح لهذه الأخيرة بتدبير شؤونها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية وفق خصوصياتها المحلية، مع الحفاظ على وحدة الدولة وسيادتها. ويهدف هذا النموذج إلى تحقيق توازن بين السلطة المركزية ومتطلبات التنمية المحلية، بما يساهم في تقليص الفوارق المجالية وتعزيز الانسجام الترابي.

وتعد التنمية المجالية المندمجة نموذجًا تنمويًا يقوم على التنسيق بين مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية داخل المجال الواحد، بحيث لا يتم التخطيط لكل قطاع بشكل منفصل، وإنما يتم اعتماد رؤية شمولية تجعل من المجال وحدة متكاملة للتنمية. ويقتضي هذا التوجه إدماج البعد الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والبيئي والمؤسساتي ضمن مشروع تنموي موحد يهدف إلى تحسين ظروف عيش السكان وضمان الاستدامة.

وتبرز أهمية التنمية المجالية المندمجة في كونها تسعى إلى تثمين الخصوصيات المحلية لكل جهة، فالجهات الساحلية تمتلك مؤهلات بحرية وسياحية، والجهات الجبلية تزخر بالموارد الطبيعية والغابوية، والمناطق الصحراوية تتوفر على إمكانيات كبيرة في مجال الطاقات المتجددة والاقتصاد الأزرق واللوجستيك، بينما تشكل السهول الزراعية ركيزة أساسية للأمن الغذائي والتنمية الفلاحية. ومن ثم فإن نجاح أي سياسة تنموية يقتضي الانطلاق من تشخيص دقيق للموارد والإكراهات التي يتميز بها كل مجال.

لقد ساهمت العولمة الاقتصادية والتغيرات المناخية والتحولات الديمغرافية في إعادة صياغة مفهوم التنمية، حيث لم يعد النمو الاقتصادي وحده معيارًا لقياس نجاح السياسات العمومية، بل أصبحت مؤشرات العدالة الاجتماعية وجودة الحياة وحماية البيئة والحكامة الجيدة والمشاركة المواطنة عناصر أساسية في تقييم التنمية. ومن هنا أصبح الربط بين الحكم الذاتي والتنمية المجالية ضرورة استراتيجية، لأن منح الجهات صلاحيات أوسع يساهم في اتخاذ قرارات أكثر ملاءمة للخصوصيات المحلية، ويعزز فعالية السياسات العمومية.

ويؤكد الفكر الجغرافي المعاصر أن التنمية الترابية الناجحة تعتمد على تعبئة الرأسمال الترابي، والذي يشمل الموارد الطبيعية، والرأسمال البشري، والبنيات التحتية، والمؤسسات، والهوية الثقافية، والموقع الجغرافي، والابتكار، والقدرة على جذب الاستثمار. فكلما تمكنت الجهة من استثمار هذه الموارد بشكل عقلاني ارتفعت قدرتها على تحقيق تنمية مستدامة وتحسين تنافسيتها.

التعليقات مغلقة.