الغرامة اليومية بين الصرامة التنفيذية والمرونة التقديرية لقاضي تطبيق العقوبات
جريدة أصوات
برز دور قاضي تطبيق العقوبات كفاعل مركزي في تنفيذ عقوبة الغرامة اليومية، التي تهدف إلى الموازنة بين ضرورة الردع القانوني وإعادة إدماج المحكوم عليه. فكيف تتم آلية تنفيذ هذه العقوبة؟ وما هي الضمانات التي توفرها للمحكوم عليه؟
وفقًا للمادة 60 و61 من المرسوم التطبيقي لقانون العقوبات البديلة، يتولى قاضي تطبيق العقوبات، بالتعاون مع البنية المحلية والمؤسسة السجنية، احتساب المبلغ الإجمالي للغرامة المستحقة، وذلك باستخدام معادلة رياضية واضحة: عدد أيام الحبس المحكوم بها مضروبًا في مبلغ الغرامة اليومية المحدد في الحكم، مع خصم أيام الاعتقال الاحتياطي. على سبيل المثال، إذا كانت العقوبة 60 يومًا وغرامة يومية قدرها 150 درهمًا، يصير المبلغ الإجمالي 9000 درهم.
ويتميز دور قاضي تطبيق العقوبات بالمرونة والصرامة في آن واحد؛ فله أن يصدر المقرر التنفيذي حتى قبل أن يصبح الحكم نهائيًا، شريطة موافقة النيابة العامة وعدم وجود طعن. كما يملك سلطة منح ترخيص لأداء المبلغ على شكل أقساط خلال الأجل القانوني – ستة أشهر قابلة للتمديد مرة واحدة – إذا كان المحكوم عليه غير معتقل، شرط أن يؤدي قسطًا أوليًا لا يقل عن نصف المبلغ، ويتم وضع جدولة زمنية لمتابعة الالتزام.
من جهته، يلتزم المحكوم عليه بتقديم إثباتات الأداء، بينما يشرف القاضي على العملية عبر التقارير الواردة من البنية المحلية والمؤسسة السجنية، مما يضمن شفافية المتابعة ويحد من أي محاولة للتهرب.
لكن ماذا في حالة عدم الامتثال؟
هنا تظهر الآلية الوقائية لضمان الجدية؛ ففي حال امتناع المحكوم عليه عن الدفع أو الإخلال بجدولة الأقساط، يصدر قاضي تطبيق العقوبات أمرًا بتفعيل العقوبة الأصلية – السجن – مع احتساب المدة التي تمت تسويتها عبر الأداء المالي. وتكلف المؤسسة السجنية بالتنفيذ تحت إشراف القاضي، مع وجوب الرجوع إليه عند أي صعوبة.
وبمجرد أداء المبلغ بالكامل، تُختتم المسطرة بإصدار تقرير من المؤسسة السجنية ومقرر من القاضي يعلن انتهاء التنفيذ، ويُبلغ إلى المحكوم عليه والنيابة العامة ومركز السجل العدلي.
هذه الآلية، كما يوضح الدليل العملي الصادر عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية، تجعل من قاضي تطبيق العقوبات ضامنًا لنجاعة العقوبة البديلة وملائمتها، حيث يوازن بين متطلبات الردع واحترام حقوق المحكوم عليه، مستندًا في ذلك إلى اجتهاده التقديري الذي يحدد ما إذا كانت الغرامة اليومية تحقق أهداف الإدماج والردع، أم أن تفعيل العقوبة السالبة للحرية أصبح ضروريًا.
وبهذا تصبح عقوبة الغرامة اليومية نموذجًا للتجديد القضائي الذي يجمع بين المرونة والصرامة، ويعزز ثقة المجتمع في فاعلية العدالة، مع الحفاظ على الضمانات القانونية للأفراد.

التعليقات مغلقة.