حركة النهضة التونسية (3)
باب سويقة وسليمان : محطتان تكشفان تعقيدات الإسلام السياسي في عهد بن علي
لم تكن علاقة حركة النهضة التونسية بنظام زين العابدين بن علي مجرد خلاف بين سلطة ومعارضة بل كانت مسارًا طويلًا من الصدام السياسي والأمني تداخلت فيه خيارات الحركة ومخاوف النظام وصراع الشرعية وحدود العمل السياسي في دولة لا تسمح بتعدد حقيقي لمراكز النفوذ.
ولفهم هذه المرحلة لا بد من التوقف عند محطتين كثيرًا ما حضرتا في النقاش التونسي حول الإسلام السياسي : أحداث باب سويقة سنة 1991 ومواجهات سليمان في أواخر 2006 وبداية 2007.
لكن قراءة المحطتين تقتضي التمييز بين سياقيهما التاريخيين وعدم التعامل معهما وكأنهما حلقتان متطابقتان في مسار تنظيمي واحد.
أولًا : باب سويقة… حين تحوّل الصراع إلى مأساة
في 17 فبراير 1991 تعرض مقر للتجمع الدستوري الديمقراطي الحزب الحاكم آنذاك في منطقة باب سويقة بالعاصمة تونس لهجوم أدى إلى اندلاع حريق ومقتل أحد الحراس وإصابة آخرين.
أصبحت الحادثة نقطة فاصلة في العلاقة بين السلطة وحركة النهضة التي نُسب منفذو الهجوم إلى أنصارها وأعقبها تصعيد أمني ومحاكمات قاسية وفي أكتوبر من السنة نفسها نُفّذت أحكام بالإعدام في ثلاثة من المدانين في القضية وقد وثقت تقارير حقوقية دولية ظروف المحاكمات ومخاوف تتعلق بضمانات المحاكمة العادلة في قضايا الإسلاميين خلال تلك الفترة.
لا يمكن من منظور إنساني وسياسي التقليل من خطورة الاعتداء على الأشخاص ولا من حق الضحايا وعائلاتهم في العدالة كما لا يجوز أن يتحول الانتماء السياسي إلى مبرر للعنف أيًّا كانت الجهة التي تمارسه.
لكن الحادثة تفتح سؤالًا أوسع: كيف وصل الصراع السياسي في تونس إلى مرحلة أصبح فيها العنف جزءًا من المشهد؟
كان نظام بن علي قد دخل منذ أواخر الثمانينيات في مواجهة متصاعدة مع حركة النهضة التي كانت تطالب بمكان في الحياة السياسية فيما كان النظام ينظر إلى توسعها باعتباره تهديدًا لاحتكاره السلطة وفي هذا المناخ تزايدت الاعتقالات والمحاكمات وتعرض آلاف من المشتبه في انتمائهم إلى الحركة أو من المتعاطفين معها للاحتجاز خلال السنوات التالية.
وهنا ينبغي التمييز بين مستويين من المسؤولية : المسؤولية عن فعل الاعتداء نفسه التي تُبحث على أساس الأدلة والقرارات القضائية والمسؤولية السياسية عن المناخ الذي ضيّق فرص العمل العلني وعمّق المواجهة بين السلطة وخصومها.
فرفض الاستبداد لا يعني تبرير العنف وإدانة العنف لا تمنح السلطة تفويضًا مفتوحًا للقمع أو انتهاك الحقوق.
ثانيًا: ماذا كشفت باب سويقة عن الحركة نفسها؟
لم تكن باب سويقة مجرد حادثة أمنية بل تحولت إلى ذاكرة متنازع عليها داخل التاريخ السياسي التونسي.
ففي الروايات الرسمية برزت الحادثة باعتبارها دليلًا على خطورة الحركة وضرورة مواجهتها وفي روايات قطاعات من الإسلاميين وخصوم النظام حضرت ضمن سياق أوسع من التضييق السياسي والأمني.
لكن القراءة النقدية لا تكتفي بتكرار رواية السلطة أو رواية الحركة.
بل تسأل عن القرارات التي اتخذتها القيادات وعن حدود السيطرة التنظيمية على القواعد وعن الثمن الذي دفعه الشباب الذين وجدوا أنفسهم في قلب مواجهة لم تكن نتائجها متكافئة.
كما تطرح الحادثة سؤالًا حول قدرة الحركات السياسية على ضبط وسائل عملها وعلى التمييز بين المقاومة السياسية المشروعة والعنف الذي يقوض شرعيتها الأخلاقية.
هذه الأسئلة لا تخص حركة النهضة وحدها لكنها تصبح ضرورية حين ندرس حركة انتقلت من المعارضة المحاصرة إلى المشاركة في مؤسسات الحكم بعد الثورة.
ثالثًا: سليمان
2006–2007… سياق مختلف لا يجوز الخلط بينه وبين باب سويقة
بعد نحو خمسة عشر عامًا شهدت منطقة سليمان، جنوب العاصمة تونس مواجهات مسلحة بين قوات الأمن ومجموعة مسلحة ذات توجه سلفي جهادي امتدت أحداثها من أواخر ديسمبر 2006 إلى أوائل يناير 2007.
ووفق تقارير بحثية تناولت القضية ارتبطت المجموعة بشبكات جهادية إقليمية وتحدثت السلطات عن مخططات لعمليات مسلحة. وانتهت المواجهات بمقتل عدد من أفراد المجموعة وأفراد من قوات الأمن تلتها حملة اعتقالات ومحاكمات في قضايا مرتبطة بالإرهاب.
لكن من الضروري التنبيه إلى أن مجموعة سليمان لم تكن هي حركة النهضة وأن وصفها بالسلفية الجهادية يعبّر عن سياق فكري وتنظيمي مختلف عن مسار الحركة السياسي.
فلماذا إذن نستحضر سليمان في قراءة تاريخ النهضة؟
لأن الحدث وقع في السنوات الأخيرة من عهد بن علي وأعاد إلى الواجهة ملف الإسلام السياسي وعلاقة الدولة بالتنظيمات الدينية وحدود المقاربة الأمنية في مواجهة التطرف كما أثار تساؤلات بشأن مدى شفافية الرواية الرسمية وظروف الاعتقال والمحاكمة والانتهاكات التي تحدثت عنها تقارير حقوقية.
لقد استخدم النظام التونسي خطاب مكافحة الإرهاب ضمن سياق سياسي وأمني أوسع بينما ظل المجال العام محدودًا والقدرة على مناقشة السياسات الأمنية باستقلالية ضعيفة.
ومع ذلك فإن نقد توظيف السلطة لملف الإرهاب لا يعني نفي وجود جماعات مسلحة أو التقليل من خطورتها مثلما أن إثبات وجود تلك الجماعات لا يبرر الانتهاكات أو يعفي الدولة من واجب احترام القانون.
رابعًا : بين الحادثتين… ما الذي تغيّر وما الذي بقي؟
تكشف المقارنة بين باب سويقة وسليمان عن اختلاف أساسي في طبيعة الحدثين.
فباب سويقة ارتبطت به عناصر منسوبة إلى أنصار حركة النهضة في سياق المواجهة المباشرة بين الحركة ونظام بن علي سنة 1991.
أما سليمان فارتبطت بمواجهة أمنية مع مجموعة سلفية جهادية مسلحة في 2006–2007.
الجمع بينهما في قراءة واحدة لا يعني مساواة التنظيمات أو المسؤوليات بل يسمح بفهم تطور علاقة الدولة التونسية بالتيارات الإسلامية والتحولات التي عرفها المجال الديني والسياسي خلال عهد بن علي.
فهل نجح النظام في معالجة أسباب التطرف والصراع أم اكتفى بتغليب المقاربة الأمنية ؟ وهل استطاعت الحركات الإسلامية بمختلف تياراتها أن تراجع خياراتها وتحدد بوضوح علاقتها بالعنف وبالدولة وبالتعددية السياسية؟ أسئلة لا تكفي فيها الشعارات بل تحتاج إلى الوثائق والشهادات والوقائع.
خامسًا : هل صنعت المواجهة حركة أكثر مرونة أم أكثر انغلاقًا؟
عاشت حركة النهضة سنوات طويلة من الحظر والملاحقة وتعرض عدد من قياداتها وأنصارها للسجن أو المنفى. وقد تركت هذه التجربة أثرًا عميقًا في بنيتها وخطابها وطريقة تعاملها مع السلطة.
لكن المعاناة لا تمنح أي حركة حصانة من النقد كما أن أخطاء بعض الأفراد لا تسمح بإدانة كل المنتمين إلى تيار سياسي واحد.
والسؤال الأهم هو ما إذا كانت سنوات المواجهة قد ساهمت في تعزيز المراجعة السياسية داخل الحركة أم أنها دفعتها أحيانًا إلى الانغلاق التنظيمي وتغليب منطق الصراع على منطق المشاركة.
إن تاريخ الحركات السياسية لا يُكتب فقط من خلال ما تعرضت له بل أيضًا من خلال ما فعلته والقرارات التي اتخذتها وقدرتها على التعلم من أخطائها.
هل تكفي المظلومية لتفسير التاريخ؟
تظل باب سويقة وسليمان محطتين مختلفتين في التاريخ التونسي لكنهما تلتقيان في سؤال أكبر عن العلاقة بين الدولة والعنف والحريات والتيارات الدينية.
لا يمكن قراءة عهد بن علي من دون الاعتراف بطابعه السلطوي وما رافقه من تضييق على المعارضة وفي الوقت نفسه لا يمكن أن تتحول معارضة الاستبداد إلى تبرير لأي فعل عنيف أو إلى إعفاء الحركات السياسية من مسؤولية خياراتها.
إن الإنصاف التاريخي لا يعني الوقوف في منتصف المسافة بين روايتين مهما كانتا بل يعني التحقق من الوقائع والتمييز بين المسؤوليات وعدم إصدار الأحكام قبل استكمال الأدلة.
وفي الحلقة المقبلة نقترب من عودة حركة النهضة إلى الحياة السياسية بعد ثورة 2011 لنبحث كيف انتقلت من سنوات الحظر والمنفى إلى صناديق الاقتراع وما الذي تغيّر في خطابها وخياراتها عندما أصبحت أمام فرصة المشاركة في الحكم.

التعليقات مغلقة.