تتواصل حرب الاستنزاف المتبادلة بين روسيا وأوكرانيا، في ظل تصعيد متزايد للضربات بعيدة المدى التي باتت تستهدف المنشآت الحيوية والاقتصادية واللوجستية، في محاولة من كل طرف لإضعاف قدرة الآخر على مواصلة العمليات العسكرية.
ووسعت القوات الأوكرانية خلال الأيام الأخيرة نطاق هجماتها داخل الأراضي الروسية، مستهدفة منشآت مرتبطة بقطاع الطاقة في جمهورية تتارستان، في وقت أصبحت فيه البنية النفطية والصناعية الروسية هدفاً متكرراً للهجمات الأوكرانية. وكانت منطقة تتارستان قد شهدت في وقت سابق هجمات استهدفت منشآت صناعية ونفطية، ما يعكس اتجاهاً أوكرانياً نحو ضرب العمق الاقتصادي الروسي.
ولم تقتصر الضربات الأوكرانية على المنشآت النفطية، إذ تعرض ميناء نوفوروسيسك الحيوي على البحر الأسود لهجوم واسع خلال ليلة 12 غشت، شمل طائرات مسيرة وصواريخ وقوارب مسيرة، وفق تقارير إعلامية. وأفادت مصادر بأن الهجوم تسبب في أضرار بعدد من المنشآت، بينها محطات للحبوب، كما طال أهدافاً مرتبطة بالوجود البحري الروسي في المنطقة.
ويكتسي ميناء نوفوروسيسك أهمية استراتيجية واقتصادية كبيرة، باعتباره من أبرز الموانئ الروسية على البحر الأسود، فضلاً عن دوره في حركة تصدير الحبوب والطاقة. وقد أدى الهجوم إلى تعليق عمليات في إحدى منشآت الحبوب، وسط مخاوف من تداعيات محتملة على حركة التجارة والأسواق العالمية.
كما امتدت العمليات الأوكرانية إلى شبه جزيرة القرم، حيث استهدفت مواقع مرتبطة بالقدرات العسكرية الروسية، في سياق مساعٍ لتقليص قدرة موسكو على استخدام المنطقة كمنصة لشن عمليات جوية وبحرية ضد الأراضي الأوكرانية.
في المقابل، تواصل روسيا تنفيذ ضربات مكثفة داخل أوكرانيا، مستهدفة منشآت وبنى تحتية ومراكز لوجستية في عدد من المناطق، في إطار سياسة الرد بالمثل ومحاولة إلحاق أضرار بشبكات النقل والإمداد التي تعتمد عليها القوات الأوكرانية.
ويأتي هذا التصعيد في وقت باتت فيه المسيرات والصواريخ بعيدة المدى إحدى أبرز أدوات الحرب، بعدما انتقلت المواجهة تدريجياً من خطوط الجبهة التقليدية إلى العمق الاقتصادي والاستراتيجي للبلدين. وأصبحت منشآت الطاقة والموانئ ومراكز الإمداد والإنتاج العسكري أهدافاً رئيسية في محاولة لإضعاف القدرة على تمويل الحرب وتأمين احتياجات القوات.
ويكشف اتساع نطاق الضربات عن تحول واضح في طبيعة الصراع، إذ لم تعد المسافة الجغرافية تشكل حاجزاً كبيراً أمام الهجمات، فيما يسعى الطرفان إلى إرباك البنية التحتية الحيوية للخصم ورفع كلفة استمرار الحرب.
وبينما تستمر الضربات المتبادلة، تبقى المخاوف قائمة من أن يؤدي استهداف المنشآت النفطية والموانئ إلى تداعيات تتجاوز حدود الصراع، خصوصاً في ما يتعلق بأسواق الطاقة والحبوب وحركة الملاحة في البحر الأسود. وقد انعكست الهجمات الأخيرة على نوفوروسيسك بالفعل على أسواق القمح، في ظل أهمية روسيا في صادرات الحبوب العالمية.
وهكذا، تبدو حرب روسيا وأوكرانيا أمام مرحلة أكثر اعتماداً على الضربات بعيدة المدى وحرب البنى التحتية، في وقت لا تزال فيه الجبهة العسكرية مفتوحة، بينما يواصل الطرفان استنزاف قدرات الآخر في العمق، دون أن تلوح مؤشرات حاسمة على نهاية قريبة للصراع.

التعليقات مغلقة.