أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

حادتة سيدي سليمان تفتح النقاش حول حماية القضاة وهيبة العدالة

بقلم: الأستاذ محمد عيدني – فاس

أثارت واقعة الاعتداء التي قيل إن قاضية بالمحكمة الابتدائية بسيدي سليمان تعرضت لها، يوم الاثنين 19 أكتوبر 2026، أثناء انعقاد جلسة قضائية، نقاشاً حول ضرورة تعزيز الحماية داخل المحاكم، وصون كرامة نساء ورجال القضاء، وضمان ممارسة مهامهم في ظروف يسودها الأمن والاحترام.
وتعيد هذه الواقعة، التي تستدعي التحقق من تفاصيلها وملابساتها، إلى الواجهة إشكالية التعامل مع حالات التوتر التي قد تشهدها بعض الجلسات القضائية، وما تفرضه من يقظة مؤسساتية وتطبيق صارم للقانون كلما ثبت وقوع أفعال تمس بسلامة الأشخاص أو تعرقل السير العادي للعدالة.
فالمحكمة ليست مجرد بناية إدارية أو فضاء لتبادل المرافعات، بل مؤسسة دستورية تضطلع بمسؤولية الفصل في النزاعات، وحماية الحقوق والحريات، وضمان المساواة أمام القانون. ومن ثم، فإن الحفاظ على النظام داخل قاعات الجلسات يشكل شرطاً أساسياً لتمكين القضاة والمحامين والمتقاضين من أداء أدوارهم في أجواء تحترم الضوابط القانونية والأخلاقية.
ومن الناحية الإنسانية، تثير مثل هذه الوقائع مسألة الحق في السلامة الجسدية والنفسية أثناء العمل، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بموظفين ومسؤولين يؤدون مهاماً تقتضي منهم التركيز والحياد واتخاذ القرارات وفق القانون. فالقاضي، مهما كانت مسؤوليته المهنية، يظل إنساناً له الحق في الحماية والاحترام، كما أن أي اعتداء يثبت وقوعه ينبغي التعامل معه بجدية، مع مراعاة حقوق جميع الأطراف المعنية.
وعلى المستوى القانوني، يكتسي الفصل 263 من القانون الجنائي المغربي أهمية خاصة في هذا السياق، باعتباره يجرّم إهانة رجال القضاء وغيرهم من الفئات التي يشملها النص أثناء قيامهم بمهامهم أو بسببها، مع تشديد العقوبة في حالات محددة، من بينها وقوع الإهانة أثناء جلسة بالمحكمة. غير أن تطبيق هذا الفصل يتوقف على طبيعة الأفعال المثبتة ومدى توافر العناصر القانونية اللازمة.
كما يقتضي الأمر التمييز بين الإهانة والعنف الجسدي، إذ قد تستدعي الأفعال المختلفة مقتضيات قانونية أخرى، بحسب ظروف الواقعة ونتائجها. لذلك، فإن تحديد الوصف القانوني الصحيح لما حدث يظل من اختصاص الجهات المعنية، استناداً إلى نتائج البحث والأدلة المتاحة، وليس إلى المعطيات المتداولة وحدها.
ولا يقل الجانب المؤسساتي أهمية عن الجانب القانوني، إذ تبرز الحاجة إلى مواصلة تقييم إجراءات الأمن داخل المحاكم، وتنظيم الولوج إلى قاعات الجلسات، وتعزيز التدابير الوقائية التي تحمي القضاة والموظفين والمرتفقين، دون المساس بحق المواطنين في الولوج إلى العدالة والتعبير عن تظلماتهم بالوسائل القانونية.
وفي المقابل، فإن احترام القضاء لا يعني إغلاق باب النقد المشروع أو الاعتراض على الأحكام والإجراءات، بل يعني ممارسة هذه الحقوق في إطار القانون، من خلال الشكايات وطرق الطعن والمساطر المتاحة. فالخلاف مع قرار قضائي، مهما كانت حدته، لا يبرر العنف أو التهديد أو المساس بسلامة الأشخاص متى ثبتت هذه الأفعال.
وتفرض هذه الواقعة أيضاً على وسائل الإعلام مسؤولية نقل الخبر بمهنية، والتمييز بين المعلومات المؤكدة والمعطيات غير المحسومة، وتجنب توجيه الاتهامات أو إصدار أحكام مسبقة قبل استكمال الإجراءات القانونية. فالدفاع عن هيبة القضاء لا ينفصل عن احترام قرينة البراءة، وضمان حق الدفاع، وصون كرامة جميع الأطراف.
إن تعزيز الثقة في العدالة يبدأ من توفير بيئة آمنة داخل المحاكم، والتعامل الجاد مع كل اعتداء محتمل، وضمان تطبيق القانون على الجميع وفق قواعد الإنصاف والمساواة. كما أن حماية القضاة والعاملين بالمرفق القضائي مسؤولية مشتركة تتطلب تعاون المؤسسات والمهنيين والمرتفقين، وترسيخ ثقافة الاحتكام إلى القانون بدل اللجوء إلى التصعيد.
وفي انتظار التحقق من جميع تفاصيل الواقعة التي جرى تداولها بشأن المحكمة الابتدائية بسيدي سليمان، يبقى المطلوب هو كشف الحقيقة، وتحديد المسؤوليات وفق الإجراءات القانونية، واتخاذ التدابير الضرورية لمنع تكرار مثل هذه الأحداث.
إن احترام القضاء ليس دفاعاً عن أشخاص فحسب، بل هو دفاع عن حق المجتمع في عدالة آمنة ومستقلة، وعن دولة المؤسسات التي تجعل القانون مرجعاً لحل النزاعات وضمان الحقوق.

التعليقات مغلقة.