أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

حكومة المنصوري.. بين رمزية التغيير ورهان الإنجاز

سلوى الجيلالي بوعلي

لم يكن يوم 16 أكتوبر 2026 مجرد موعد للإعلان عن تشكيلة حكومية جديدة في المغرب بل كان بداية مرحلة سياسية جديدة تتقدم فيها فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة في سابقة تاريخية باعتبارها أول امرأة تتولى هذا المنصب في المملكة.

لكن الأحداث السياسية لا تُقرأ بالرمزية وحدها كما أن أهمية التغيير لا تُقاس بعدد الوجوه الجديدة في مواقع المسؤولية فالسؤال الذي يستحق أن يرافق انطلاق هذه التجربة هو : هل نحن أمام إعادة ترتيب للفريق الحكومي أم أمام محاولة لتغيير طريقة تدبير الأولويات والاستجابة لانتظارات المجتمع؟

تضم الحكومة الجديدة ائتلافاً من أربعة أحزاب هي الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية بأغلبية تبلغ 207 مقاعد في مجلس النواب وفق التقارير المنشورة وهي قاعدة برلمانية تتيح للحكومة هامشاً للعمل التشريعي لكنها لا تعفيها من اختبار الانسجام السياسي والقدرة على الإنجاز.

الاستمرارية ليست غياباً للتغيير

تكشف التشكيلة عن مزيج من الاستمرارية والتجديد. فقد احتفظ عدد من المسؤولين بمواقعهم من بينهم عبد الوافي لفتيت في الداخلية وناصر بوريطة في الخارجية وعبد اللطيف وهبي في العدل وأحمد التوفيق في الأوقاف فيما أُسندت مسؤوليات جديدة إلى أسماء أخرى في قطاعات اقتصادية واجتماعية أساسية.

ولا ينبغي التعامل مع هذا المزيج باعتباره حكماً جاهزاً على مستقبل التجربة. فالاستمرارية قد تتيح مواصلة المشاريع والخبرات المتراكمة بينما قد يفتح التجديد المجال أمام مقاربات جديدة لكن القيمة السياسية لأي من الخيارين تظل مرتبطة بالنتائج.

ومن هنا، فإن السؤال الأهم ليس فقط من بقي ومن غادر بل ما الذي سيتغير في أساليب التدبير وفي تحديد الأولويات وفي ربط المسؤولية بالمحاسبة.

المالية والتعليم والصحة… ثلاث واجهات للاختبار

يحمل إسناد وزارة الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية إلى فوزي لقجع دلالة تستحق المتابعة بالنظر إلى أهمية القرار المالي في تحديد إمكانات السياسات الحكومية فالميزانية ليست مجرد أرقام بل تعكس أيضاً ترتيب الأولويات وتوزيع الموارد بين الاستثمار والخدمات الاجتماعية.

والاختبار هنا هو مدى قدرة الإنفاق العمومي على دعم فرص الشغل، وتحسين الخدمات وتخفيف الضغوط المعيشية مع الحفاظ على التوازنات المالية.

وفي التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل يبرز تعيين نبيل بنعبد الله في قطاع يرتبط مباشرة بمستقبل الأجيال وبقدرة المجتمع على تقليص الفوارق فإصلاح التعليم لا يتحقق بتغيير المسؤول وحده وإنما بمعالجة جودة التعلمات وظروف العمل داخل المؤسسات والهدر المدرسي والتفاوت بين المناطق والربط بين التكوين وحاجات المجتمع والاقتصاد.

أما الصحة والحماية الاجتماعية التي أُسندت إلى يونس بجيجو فتضع الحكومة أمام اختبار يومي لا يحتاج إلى كثير من الشرح فالمواطن يقيس فعالية السياسة الصحية بقدرته على الوصول إلى العلاج وبجودة الخدمات وتوافر الموارد البشرية والتجهيزات ومدى استفادته الفعلية من الحماية الاجتماعية.

هذه الملفات الثلاثة مختلفة في طبيعتها لكنها تلتقي عند سؤال واحد : كيف تتحول الإمكانات والقرارات الحكومية إلى تحسن ملموس في حياة المواطنين؟

حكومة المستقبل أم إدارة تحديات الحاضر؟

من أبرز التغييرات إحداث وزارة للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة أُسندت إلى أحمد رحو ويحمل هذا الاختيار رسالة واضحة بشأن حضور التحول الرقمي في هيكلة الحكومة لكنه يفتح أيضاً أسئلة تتجاوز الجانب التقني.

هل ستصبح الرقمنة وسيلة لتقريب الإدارة من المواطن، وتقليص التعقيدات وتحسين الشفافية؟ وهل ستساعد على خلق فرص اقتصادية جديدة وتوسيع استفادة الشباب من التحولات التكنولوجية؟ أم ستظل محصورة في تطوير الأدوات والمنصات دون تغيير عميق في علاقة المواطن بالإدارة؟

إن نجاح هذا التوجه لن يُقاس بعدد التطبيقات والخدمات الإلكترونية وحدها، بل بمدى اختصار الوقت والإجراءات وتحسين جودة الخدمة، وتيسير الولوج إليها وحماية المعطيات الشخصية.

وفي المقابل لا يمكن للتحول الرقمي أن يحل وحده مشكلات الإدارة إذ يحتاج إلى وضوح المسؤوليات وتطوير الكفاءات وتغيير الممارسات التي تجعل بعض الخدمات معقدة حتى عندما تتوفر الوسائل التقنية.

التشغيل والسكن… حيث تُختبر العدالة الاجتماعية

تُعد حقائب التشغيل والحوار الاجتماعي وإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان والأسرة والتنمية الاجتماعية من الملفات التي ستكشف مدى ارتباط البرنامج الحكومي بالانتظارات اليومية للمجتمع.

فالبطالة ليست رقماً منفصلاً عن بقية المؤشرات إنها ترتبط بالتعليم والتكوين والاستثمار وتوزيع الفرص بين الجهات كما أن السكن لا ينفصل عن القدرة الشرائية ولا يمكن النظر إلى هشاشة بعض الأسر بمعزل عن كلفة المعيشة وجودة الخدمات الاجتماعية.

ومن هنا فإن نجاح السياسات الحكومية يتطلب تنسيقاً يتجاوز حدود كل وزارة فخلق فرص العمل يحتاج إلى بيئة اقتصادية قادرة على الاستثمار والإنتاج، كما يحتاج إلى تكوين ملائم وإلى سياسات تضمن ألا تبقى ثمار التنمية محصورة في مناطق أو فئات بعينها.

وهنا يظهر أحد التحديات الكبرى أمام الحكومة: هل ستستطيع الانتقال من معالجة الملفات بصورة قطاعية إلى بناء سياسات مترابطة تستجيب للأسباب المشتركة للمشكلات الاجتماعية؟

الأغلبية البرلمانية ليست نهاية الاختبار

قد توفر الأغلبية العددية للحكومة قدرة على تمرير التشريعات لكنها لا تضمن وحدها التوافق حول جميع الاختيارات ولا تعني أن التنسيق بين مكونات الائتلاف سيكون تلقائياً.

فالأحزاب الأربعة المشاركة في الحكومة تحمل تجارب ومرجعيات سياسية مختلفة ويظل التحدي في تحويل هذا التعدد إلى قدرة على بناء برنامج واضح وتحديد المسؤوليات وتقديم حصيلة يمكن تقييمها.

كما أن وضوح المسؤولية ضروري للمحاسبة فحين تتعدد القطاعات وتتداخل الاختصاصات يصبح من السهل أحياناً تبادل المسؤولية عن التعثر أما حين تكون الأهداف محددة ومؤشرات التنفيذ معلنة فيمكن للرأي العام أن يميز بين ما تحقق وما تأخر وأن يسأل كل مسؤول عن نطاق اختصاصه.

ولذلك فإن نجاح الأغلبية لن يُقاس فقط بمدى تماسكها السياسي بل أيضاً بقدرتها على إنتاج قرارات متناسقة وشرحها للرأي العام وتحمل تبعاتها.

بين المشاريع الكبرى وانتظارات المواطنين

يأتي تشكيل الحكومة في مرحلة تتقاطع فيها مشاريع استراتيجية كبرى من بينها الاستعدادات لاستضافة كأس العالم 2030 مع تحديات داخلية تتعلق بالتشغيل والتعليم والصحة والقدرة الشرائية.

ولا ينبغي وضع هذه الأولويات في مواجهة بعضها بعضاً فالمشاريع الكبرى يمكن أن تخلق فرصاً اقتصادية وتحسن البنية التحتية لكن أثرها الاجتماعي يظل مرتبطاً بكيفية توزيع منافعها وبمدى مساهمتها في خلق وظائف مستدامة وتحسين الخدمات.

إن الرهان ليس في الاختيار بين طموح المغرب التنموي وانتظارات المواطنين بل في القدرة على الجمع بينهما ضمن رؤية تجعل الاستثمار وسيلة لتحسين الحياة لا غاية منفصلة عن المجتمع.

ومن هنا ستكون الميزانية والبرنامج الحكومي من أهم الوثائق التي ينبغي مراقبتها خلال المرحلة المقبلة لمعرفة كيف ستترجم الأولويات المعلنة إلى موارد وإجراءات وآجال ومؤشرات قابلة للتقييم.

ما بين السطور… وأفق التجربة الجديدة

إن التشكيلة الحكومية الجديدة تقدم مزيجاً من الاستمرارية والتجديد وتضع على الطاولة ملفات تتفاوت في طبيعتها لكنها تتقاطع في أثرها على حياة المواطنين. غير أن قراءة هذه الاختيارات لا تسمح وحدها بالحكم النهائي على التجربة فذلك يتطلب متابعة البرنامج الحكومي وقراراته الأول وطريقة تنفيذها ثم قياس نتائجها.

أما رئاسة فاطمة الزهراء المنصوري للحكومة بما تحمله من دلالة تاريخية فإن أهميتها ستتحدد أيضاً بمدى قدرة القيادة الحكومية على التنسيق بين مكونات الأغلبية وترتيب الأولويات وتحويل المسؤولية السياسية إلى التزامات واضحة ونتائج قابلة للمحاسبة.

فالحكومات لا تُختبر عند الإعلان عن أسمائها بل عندما تبدأ في مواجهة الملفات المعقدة وتحديد ما يمكن إنجازه وتفسير ما يتعذر تحقيقه، وتقديم حصيلة صريحة للرأي العام.

قد تتغير الوجوه وتتبدل الحقائب وقد تحمل المرحلة عناوين جديدة لكن المواطن سيظل يبحث عن أثر هذه التحولات في المدرسة والمستشفى والإدارة وسوق الشغل والسكن.

ويبقى سؤال الأفق مفتوحاً: هل ستنجح حكومة المنصوري في تجاوز حدود إعادة ترتيب المشهد السياسي لتجعل من التغيير الحكومي بداية لتغيير ملموس في علاقة الدولة بالمواطن أم سنكون أمام تجربة جديدة تُضاف إلى سجل الحكومات فيما يواصل المواطن انتظار الأثر الذي يلمسه في حياته اليومية؟

التعليقات مغلقة.