أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

«رحيل أورنيلا فانوني.. وداع على إيقاع الجاز»

في وداع يليق بمسيرتها الاستثنائية، اختارت الفنانة الإيطالية الراحلة أورنيلا فانوني أن يكون الجاز رفيقها الأخير، بعدما أوصت بأن يعزف الموسيقي العالمي باولو فرزو في جنازتها، في خطوة تعكس عمق ارتباطها بهذا اللون الموسيقي الذي شكّل حجر الأساس في تجربتها الفنية.

هذا القرار، الذي اتسم بطابع لامألوف ومضاد للخطاب التقليدي، يجسّد شخصية فانوني التي عُرفت دائماً بخياراتها الفنية الجريئة وابتعادها عن القوالب السائدة. فقد كان الجاز بالنسبة لها أكثر من مجرد موسيقى؛ كان هويةً فنية وروحية رافقت مسيرتها منذ بداياتها.

علاقة عمر بين فانوني والجاز

ارتبطت فانوني مبكراً بـ The Great American Songbook، ذلك الكنز الموسيقي الذي صاغته أسماء لامعة مثل جورج غيرشوين، كول بورتر، ورودجرز وهارت. وكان هذا الإرث يوفّر لها الخامات التعبيرية الأقرب إلى روحها، خصوصاً أنها تأثرت بعمق بأسلوب الأسطورة بيلي هوليداي، التي جسّدت نموذجاً فريداً من البساطة المكثفة والعمق الشعوري، وهو ما ترك بصمة واضحة على أداء فانوني.

ومع مرور السنوات، تحوّل هذا الشغف إلى تعاونات فنية جمعتها مع أبرز الموسيقيين، بدءاً من صديقها ورفيقها الفني باولو فرزو، وصولاً إلى أسماء عالمية كبيرة.

موسيقيون عظماء في مسيرتها

لم تكن علاقة فانوني بالجاز نظرية أو وجدانية فقط؛ بل خاضت فيها تجربة عملية ثرية، سواء في الاستوديو أو على خشبات المسارح. فقد جمعتها الصداقة والعمل مع أسطورة الساكسفون الباريتون جيري مولليغان، أحد أهم رموز الجاز الأميركي، والذي شاركها في ألبومها الشهير “Uomini”، إلى جانب أسماء لامعة مثل لوتشو دالا وتوكينيو.

كما ارتبطت أيضاً بعلاقة فنية وثيقة مع عازف الساكسفون الشهير زوت سيمز، أحد أفراد الرباعي التاريخي “Four Brothers”، وهي علاقة تعكس مدى انغماسها الحقيقي في عالم الجاز، بعيداً عن الأضواء والاستهلاك الإعلامي.

ألبوم “Ornella & …”.. شهادة فنية خالدة

يُعد ألبوم “Ornella &…”، الذي سجّلته عام 1986 في نيويورك بإدارة الموسيقي الشهير سيرجيو باردوتي، من أبرز شواهد هذا الارتباط. فقد ضمّ الألبوم نخبة من أعظم موسيقيي الجاز في العالم، بينهم:
– هيربي هانكوك
– جورج بينسون
– غيل إيفانز
– لي كونيتز
– راندي ومايكل بريكر
– ستيف غاد
– رون كارتر

هذا العمل كان محطة فارقة في مسيرتها، وأحد أكثر مشاريعها نضجاً من ناحية الرؤية الموسيقية والتجريب.

حب لم يفارقها حتى اللحظة الأخيرة

على امتداد مسيرتها الطويلة، ظل الجاز مصدر إلهام لفانوني وملاذاً إبداعياً يعكس ملامحها الفنية:
الرهافة، البساطة، العمق، والصدق.
ومع اختيارها لوداع موسيقي على إيقاع الجاز، تكون فانوني قد أنهت حياتها الفنية كما بدأتها:
بصوتٍ يعبر حدود الزمن، وبشغف لم يخفت يوماً.

هكذا رحلت أورنيلا فانوني… وعلى مهلٍ، وبأناقة موسيقية لا تتكرر.

التعليقات مغلقة.