أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

“أزبينة”.. ظاهرة صامتة تكشف ارتباك القيم واختلال الحماية الاجتماعية

بقلم (م.ع.) فاس

لم تعد كلمة “أزبينة” مجرد نعت دارج يُتداول في الهامش، بل تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى توصيف شائع لظاهرة اجتماعية آخذة في الاتساع، تثير الكثير من الجدل والقلق داخل المجتمع، خصوصاً عندما ترتبط بسلوكيات تتجاوز حدود الصداقة العادية بين الفتيات، وتُنتج علاقات قائمة على الغيرة والتملّك والارتباط العاطفي المغلق، في غياب أي نقاش عمومي مسؤول أو مقاربة مؤسساتية واضحة.
اللافت في هذه الظاهرة ليس فقط وجودها، بل الطريقة التي يتم التعامل بها معها؛ إذ تُختزل في كلمة واحدة محمّلة بالوصم والسخرية، دون محاولة فهم السياق النفسي والاجتماعي الذي أنتجها. فمصطلح “أزبينة” ليس مفهوماً علمياً ولا توصيفاً طبياً، بل هو نتاج ثقافة شعبية تميل إلى التبسيط والإدانة السريعة، وتضع حالات مختلفة في خانة واحدة، دون تمييز بين ما هو عابر، وما هو اضطراب نفسي، وما هو سلوك ناتج عن هشاشة اجتماعية عميقة.
تشير متابعات ميدانية وآراء مختصين إلى أن عدداً من هذه الحالات يظهر في مرحلة المراهقة، وهي مرحلة معروفة بالاضطراب العاطفي وبحث الفرد عن الهوية والانتماء. في هذا السياق، تصبح العلاقة مع فتاة أخرى أحياناً ملاذاً نفسياً بديلاً عن أسرة غائبة أو مفككة، أو عن محيط مدرسي لا يوفر الاحتواء والدعم. ومع مرور الوقت، قد تتطوّر بعض هذه العلاقات إلى ارتباطات مغلقة تتسم بالغيرة الشديدة، ورفض مشاركة الطرف الآخر في علاقات اجتماعية طبيعية، وهو ما يحوّل العلاقة من تقارب عاطفي إلى شكل من أشكال التملّك والهيمنة النفسية.
ويجمع مختصون في علم النفس الاجتماعي على أن هذا النوع من السلوك لا يرتبط بالضرورة بالميول في حد ذاتها، بقدر ما يعكس هشاشة نفسية واعتماداً عاطفياً مفرطاً، وخوفاً من الفقدان، وهي سمات يمكن أن تظهر في أي علاقة غير متوازنة، سواء كانت بين فتيات أو بين الجنسين. غير أن خطورة الأمر تتضاعف عندما يتعلق بقاصرات أو شابات يفتقدن للنضج الكافي والوعي اللازم لحماية ذواتهن من علاقات غير سليمة.
في مقابل هذا التعقيد، يختار المجتمع في الغالب طريق الصمت أو العنف الرمزي، عبر التنمّر، والتشهير، والضغط الأسري، وأحياناً الطرد أو القطيعة. وهي ردود فعل لا تؤدي إلا إلى تعميق الأزمة، ودفع المعنيات بالأمر نحو مزيد من الانغلاق والتمرد، أو نحو اضطرابات نفسية قد تكون أكثر خطورة من الظاهرة نفسها. فبدل أن تُطرح الأسئلة الحقيقية حول أسباب الفراغ العاطفي، وغياب المواكبة النفسية، وضعف دور المدرسة والأسرة، يتم التركيز على الإدانة الأخلاقية وحدها، وكأنها كافية لحل مشكل متجذّر.
ولا يمكن الحديث عن هذه الظاهرة دون الإشارة إلى التأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي، التي تساهم في إعادة تشكيل التصورات لدى فئات عمرية صغيرة، عبر تقديم نماذج علاقات مثالية أو متمرّدة، دون سياق أو تأطير، ما يجعل بعض الفتيات ينجرفن نحو تقليد سلوكيات لا يستوعبن أبعادها النفسية والاجتماعية.
إن مقاربة ظاهرة “أزبينة” من زاوية واحدة، سواء كانت أمنية أو أخلاقية أو دينية فقط، تظل مقاربة قاصرة. فالمعالجة الحقيقية تقتضي فهماً عميقاً لجذور الإشكال، واستثماراً في الوقاية النفسية، وإعادة الاعتبار لدور الأسرة كفضاء للحوار لا للمحاكمة، وللمدرسة كمؤسسة للتأطير لا للإقصاء، إضافة إلى تسهيل الولوج إلى الدعم النفسي دون وصم أو تخويف.
في المحصلة، لا تكشف ظاهرة “أزبينة” عن انحراف فردي معزول، بقدر ما تعكس ارتباكاً جماعياً في القيم، وفراغاً عاطفياً، وفشلاً في مواكبة تحوّلات جيل يعيش تناقضاً حاداً بين ما يُفرض عليه وما يعيشه واقعياً. وبين الصمت والوصم، تضيع فرص الفهم والمعالجة، بين الصمت والوصم، تضيع فرص الفهم والمعالجة، ويستمر نزيف نفسي صامت لا تظهر آثاره إلا بعد فوات الأوان

التعليقات مغلقة.