عادت أزمة الهجرة التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة نهاية يوليوز الماضي إلى واجهة النقاش الإعلامي والسياسي، بعد نشر صحيفة «لوموند» الفرنسية تقريراً استند إلى معطيات واردة في تقرير للمركز الوطني للاستخبارات الإسبانية، أُحيل على القضاء، ويتعلق بمدى علم السلطات المغربية بالتحركات التي سبقت التدفق الجماعي للمهاجرين نحو المدينة.
ووفق ما أوردته الصحيفة الفرنسية في تقرير نشرته يوم 23 أكتوبر، فإن الاستخبارات الإسبانية خلصت إلى أن السلطات المغربية كانت على علم مسبق بالمؤشرات التي كانت تنذر بمحاولة عبور جماعي، وأنها توصلت بإشعارات حول دعوات متداولة عبر شبكات التواصل الاجتماعي لتنظيم عمليات دخول واسعة إلى سبتة يومي 30 و31 يوليوز.
وتكمن أهمية هذه المعطيات في أنها لا تتعلق بمجرد تقديرات إعلامية، بل بمضمون تقرير أمني أُحيل على المحكمة الوطنية الإسبانية في إطار التحقيق القضائي الجاري بشأن ظروف الأزمة، التي شهدت وصول أعداد كبيرة من المهاجرين إلى المدينة، وسط ارتباك واضح على مستوى تدبير الحدود.
وبحسب التقرير، فإن المركز الوطني للاستخبارات الإسبانية أشار إلى ما وصفه بضعف انتشار القوات الأمنية المغربية، وإلى ما اعتبره حالة من عدم التدخل الكافي خلال الساعات الأولى من تدفق المهاجرين، وهو ما ساهم، وفق تقديره، في تجاوز الوضع لقدرات المراقبة الحدودية.
كما تحدثت المعطيات عن إشعار عاجل وجهته الاستخبارات الإسبانية يوم 29 يوليوز إلى المصالح الأمنية والاستخباراتية المغربية، تضمن معلومات بشأن مجموعات على تطبيقي «واتساب» و«فيسبوك» كانت تتداول دعوات لعبور جماعي نحو سبتة، بالتزامن مع احتفالات عيد العرش.
غير أن التقرير نفسه لا يقدم دليلاً قاطعاً على أن السلطات المغربية نظمت عمليات العبور أو أعطت تعليمات مباشرة لتسهيلها. وهذا التفصيل أساسي في قراءة الملف، لأن معرفة السلطات باحتمال وقوع أزمة، أو تسجيل ضعف في التدخل الأمني، لا يساوي قانونياً إثبات التخطيط لها أو المشاركة في تنظيمها.
وكان رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز قد أعلن في وقت سابق أن فرضية تورط المغرب في تنظيم موجة العبور لم تكن مثبتة لدى أجهزة بلاده، مؤكداً أن أي استنتاج من هذا النوع يحتاج إلى أدلة واضحة. وهو موقف يعكس حساسية الملف بالنسبة إلى مدريد، خصوصاً في ظل العلاقات السياسية والأمنية التي تربطها بالرباط.
وتشير تقارير إسبانية أخرى إلى أن الأزمة لم تكن مجرد ضغط عابر على الحدود، بل تحولت إلى ملف قضائي وسياسي واسع، مع استمرار التحقيق في طبيعة الاستعدادات السابقة، ومدى كفاية المعلومات التي توصلت بها المؤسسات الإسبانية، وكيفية تعامل مختلف الأجهزة مع التحذيرات.
كما أن بعض التقارير الأمنية الإسبانية تحدثت عن شبهات تتعلق بتصرفات أفراد يشتبه في أنهم ساهموا في توجيه المهاجرين أو تسهيل عبورهم، غير أن هذه الادعاءات تحتاج بدورها إلى التحقق القضائي، ولا يجوز تقديمها باعتبارها مسؤولية ثابتة لأشخاص أو مؤسسات قبل صدور أحكام أو نتائج نهائية.
وتكشف هذه القضية عن هشاشة ملف الهجرة في منطقة شمال المغرب، حيث تتداخل العوامل الاجتماعية والاقتصادية مع شبكات التواصل الاجتماعي، وحسابات الهجرة غير النظامية، والتوترات المرتبطة بوضع سبتة ومليلية. كما تبرز حجم المسؤولية التي تتحملها مختلف الأطراف في حماية الأرواح ومنع استغلال المهاجرين في مسارات خطيرة.
ومن جهة أخرى، فإن تداعيات الأزمة لا تقف عند الجانب الأمني، بل تمتد إلى مستقبل التنسيق المغربي الإسباني، خصوصاً أن التعاون بين البلدين يشكل عنصراً أساسياً في مواجهة شبكات الاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية. وأي توتر في هذا المجال قد ينعكس على ملفات أخرى مرتبطة بالتجارة والاستثمار والتعاون الإقليمي.
وبالنسبة للمغرب، تطرح هذه التطورات أسئلة حول فعالية التدخلات الحدودية، وسرعة الاستجابة للإنذارات، والتنسيق بين المؤسسات المعنية، فضلاً عن ضرورة التواصل المؤسساتي الواضح عندما يتعلق الأمر باتهامات تمس صورة البلاد وعلاقاتها الخارجية.
أما إسبانيا، فتواجه بدورها أسئلة حول كيفية تدبير المعلومات الاستخباراتية التي توصلت بها مؤسساتها، ومدى استعدادها لمواجهة تدفق بهذا الحجم، وما إذا كانت التحذيرات السابقة قد جرى التعامل معها بالسرعة والجدية المطلوبتين.
إن أزمة سبتة أصبحت اليوم أكثر من مجرد واقعة مرتبطة بالهجرة؛ فهي اختبار للعلاقات المغربية الإسبانية، ولقدرة الطرفين على معالجة الملفات الحساسة بعيداً عن التصريحات المتسرعة والمزايدات السياسية، مع ضمان احترام حقوق المهاجرين وحماية الأرواح.
ويبقى السؤال المطروح: هل ستكشف التحقيقات الإسبانية عن مسؤوليات محددة في تدبير أزمة سبتة، أم أن الملف سيظل محصوراً في تبادل التقييمات الأمنية والاتهامات السياسية دون الوصول إلى حقيقة كاملة بشأن ما جرى يومي 30 و31 يوليوز؟

التعليقات مغلقة.