أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

الانتخابات الإسبانية تضع العلاقات مع المغرب أمام اختبار سياسي جديد

بقلم الأستاذ محمد عيدني

لم تعد العلاقات المغربية الإسبانية مجرد ملف دبلوماسي تحكمه المصالح الاقتصادية والتنسيق الأمني والهجرة، بل أصبحت حاضرة بقوة في قلب التجاذبات السياسية داخل إسبانيا، مع اقتراب الانتخابات التشريعية المبكرة المرتقبة يوم 29 نونبر الجاري، في مشهد يضع مدريد أمام اختبار سياسي قد تكون له انعكاسات مباشرة على مستقبل علاقاتها مع الرباط.
فبحسب قراءة نشرتها صحيفة «تيل كيل» يوم 2 نونبر، فإن قرار رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز التوجه إلى انتخابات مبكرة أعاد فتح النقاش حول ملفات حساسة ترتبط بالمغرب، وفي مقدمتها الهجرة، وسبتة ومليلية، وقضية الصحراء المغربية، فضلاً عن مستقبل التعاون بين البلدين. وتعتبر الصحيفة أن المغرب قد يتحول إلى أحد أبرز موضوعات الحملة الانتخابية، خصوصاً مع تصاعد خطاب بعض قوى اليمين واليمين المتطرف.
وتكتسب هذه التطورات أهمية إضافية بالنظر إلى أن الساحة السياسية الإسبانية تعيش حالة من الاستقطاب، حيث تسعى المعارضة إلى تحميل حكومة سانشيز مسؤولية تدبير عدد من الملفات الداخلية والخارجية، بينما تحاول قوى أخرى توظيف ملف الهجرة والعلاقة مع المغرب ضمن خطاب انتخابي يستهدف استقطاب الناخبين.
وفي هذا السياق، برز خطاب حزب «فوكس» اليميني المتطرف، الذي جعل من المغرب والهجرة إلى سبتة موضوعاً حاضراً في مواقفه السياسية، ووجّه انتقادات حادة إلى سانشيز، وصلت إلى اتهامه بالتساهل في التعامل مع الرباط. وهي تصريحات تظل جزءاً من الصراع الانتخابي الداخلي، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها حقائق مثبتة بشأن موقف الحكومة المغربية أو دورها في أحداث الهجرة.
ومن الملفات التي تأثرت بهذا التحول السياسي المبادرة التشريعية المتعلقة بمنح الجنسية الإسبانية لفئات من الصحراويين المولودين قبل سنة 1977 وذريتهم، والتي كانت قد أثارت نقاشاً سياسياً وقانونياً داخل المؤسسات الإسبانية. ومع حل البرلمان، أصبحت المبادرة معلقة، وقد تحتاج إلى تقديمها من جديد واتباع المسطرة التشريعية من بدايتها بعد تشكيل المؤسسة التشريعية المقبلة.
وهنا تبرز نقطة بالغة الأهمية بالنسبة للمغرب، إذ إن مستقبل هذه المبادرة لن يتحدد فقط بمضمونها القانوني، بل كذلك بالتوازنات السياسية التي ستفرزها الانتخابات المقبلة، وبمدى تأثير الأحزاب التي ستشارك في تشكيل الحكومة الجديدة.
أما العلاقات الثنائية، فلا تختزل في التصريحات الانتخابية وحدها. فالمغرب وإسبانيا يرتبطان بمصالح استراتيجية تشمل التجارة والاستثمار والأمن ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية، فضلاً عن التعاون في ملفات إقليمية ودولية. ولذلك فإن أي تحول في الخطاب السياسي الإسباني يطرح سؤالاً حول قدرة المؤسسات في البلدين على حماية الشراكة من تقلبات الحملات الانتخابية.
ومنذ الإعلان المشترك الموقع في 7 أبريل 2022، دخلت العلاقات بين الرباط ومدريد مرحلة جديدة من التقارب السياسي، بعد أزمة دبلوماسية حادة. غير أن التطورات الأخيرة أظهرت أن هذا التقارب ما زال يواجه اختبارات مرتبطة بملفات السيادة والهجرة والتوازنات الحزبية داخل إسبانيا.
وتبدو الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد تنافس على المقاعد البرلمانية؛ فهي محطة ستكشف طبيعة الخطاب الذي ستتبناه القوى السياسية الإسبانية تجاه المغرب، وما إذا كانت ستتعامل مع الجار الجنوبي باعتباره شريكاً استراتيجياً لا غنى عنه، أم ستواصل تحويل بعض القضايا الثنائية إلى أدوات للمزايدة الانتخابية.
وبالنسبة للرباط، فإن الرهان لا يتعلق بمرشح أو حزب بعينه، بل بالحفاظ على ثوابت السياسة الخارجية المغربية، وصيانة المصالح الوطنية، مع الاستمرار في بناء علاقات قائمة على الاحترام المتبادل والوضوح والالتزامات المشتركة.
إن المغرب، بحكم موقعه الجغرافي وثقله الإقليمي ودوره في ملفات الأمن والهجرة والتعاون الاقتصادي، ليس تفصيلاً عابراً في السياسة الإسبانية. لكن تحويله إلى مادة انتخابية قد يضع العلاقات الثنائية أمام مرحلة من التوتر، إذا لم تنتصر لغة المؤسسات والدبلوماسية على منطق الشعارات.
ويبقى السؤال المطروح: هل ستفرز انتخابات 29 نونبر الإسبانية حكومة أكثر حرصاً على تعزيز الشراكة مع المغرب، أم ستدفع الحسابات الحزبية بعض الملفات الحساسة إلى واجهة المواجهة من جديد؟

التعليقات مغلقة.