أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

إسبانيا تعيد مهاجرين إلى المغرب عبر سبتة.. أول عمليات ترحيل منذ أزمة العبور الجماعي

بقلم الأستاذ محمد عيدني – جريدة أصوات الوطنية

عاد ملف الهجرة غير النظامية إلى واجهة العلاقات المغربية الإسبانية، عقب شروع السلطات الإسبانية في إعادة مهاجرين من جنسيات إفريقية وآسيوية إلى المغرب، بعدما وصلوا إلى مدينة سبتة المحتلة ورُفضت طلبات لجوئهم، في خطوة وصفتها تقارير إعلامية بأنها أول عملية من هذا النوع منذ أزمة العبور الجماعي التي شهدتها المدينة خلال يوليوز الماضي.

ووفق تقرير لوكالة «رويترز» نُشر يوم 2 نونبر الجاري، أعادت السلطات الإسبانية، في 26 أكتوبر الماضي، أكثر من اثني عشر مهاجراً إلى المغرب، بعد موافقة السلطات المغربية على استقبالهم. وفي المقابل، تحدثت منظمات وجمعيات حقوقية تنشط في سبتة عن إعادة مجموعة تضم 16 شخصاً ينحدرون من جنسيات مختلفة، من بينها السنغال ونيجيريا واليمن والكاميرون وبنغلاديش.

ولم تكشف وزارة الداخلية الإسبانية عن العدد الرسمي للمهاجرين الذين شملتهم العملية أو جنسياتهم، ما أبقى بعض تفاصيل هذه الخطوة مرتبطة بالمعطيات التي أوردتها الجهات الحقوقية والإعلامية.

عمليات الإعادة تعيد ملف الهجرة إلى الواجهة

تكتسي هذه العملية أهمية خاصة بالنظر إلى توقيتها، إذ تأتي بعد أشهر من أزمة الهجرة التي وضعت العلاقات بين الرباط ومدريد أمام اختبار سياسي وأمني وحقوقي، إثر عبور أعداد كبيرة من الأشخاص نحو سبتة خلال يوليوز الماضي.

وقد أعادت تلك الأحداث النقاش داخل إسبانيا بشأن تدبير الحدود، وآليات مراقبة الهجرة غير النظامية، ومدى جاهزية السلطات للتعامل مع التدفقات المفاجئة للمهاجرين، فضلاً عن تداعيات الأزمة على العلاقات الثنائية مع المغرب.

وفي هذا السياق، تواجه حكومة بيدرو سانشيز ضغوطاً متزايدة لإيجاد حلول عملية لأوضاع المهاجرين العالقين في المدينة، خصوصاً مع تصاعد النقاش السياسي بشأن تدبير ملف الهجرة، وتسريع معالجة طلبات اللجوء، وتنظيم عمليات الإعادة وفق الضوابط القانونية المعمول بها.

انتقادات حقوقية بشأن ضمانات الترحيل

في المقابل، أثارت عمليات إعادة المهاجرين إلى المغرب انتقادات من منظمات حقوقية، اعتبرت أن أي قرار بالترحيل ينبغي أن يسبقه التأكد من احترام الحقوق الأساسية للأشخاص المعنيين، وضمان عدم تعريضهم لمخاطر محتملة.

وتزداد أهمية هذه الضمانات بالنسبة إلى طالبي اللجوء الذين قد تكون لديهم أسباب قانونية أو إنسانية تحول دون إعادتهم، الأمر الذي يفرض دراسة كل حالة بشكل مستقل، وعدم الاكتفاء بالاعتبارات المرتبطة بتدبير الحدود.

ونقلت وكالة «رويترز» عن ممثلة لمنظمة العفو الدولية انتقاداتها لطريقة تعامل السلطات الإسبانية مع بعض ملفات الهجرة، بينما أكدت وزارة الداخلية الإسبانية أن عمليات الإعادة تتم وفق الضمانات الضرورية، مشيرة إلى أن المغرب يُصنف من طرف الاتحاد الأوروبي بلداً آمناً.

غير أن هذا التصنيف لا يعفي السلطات المعنية من ضرورة احترام القواعد القانونية المرتبطة باللجوء، ولا سيما مبدأ عدم الإعادة القسرية، الذي يمنع ترحيل الأشخاص إلى أماكن قد يتعرضون فيها لخطر الاضطهاد أو انتهاكات جسيمة لحقوقهم.

المغرب أمام تحديات إنسانية وأمنية متداخلة

بالنسبة إلى المغرب، لا يقتصر هذا الملف على استقبال مهاجرين تمت إعادتهم من سبتة، بل يطرح مجموعة من التحديات المرتبطة بتدبير الهجرة غير النظامية، والتنسيق الأمني مع إسبانيا، وضمان حقوق الأشخاص القادمين من دول ثالثة، ممن لا يحملون الجنسية المغربية.

ويضع هذا الوضع البلدين أمام مسؤوليات مشتركة تتطلب تنسيقاً مستمراً، ليس فقط في ما يتعلق بمراقبة الحدود ومواجهة شبكات تهريب البشر، وإنما أيضاً في توفير المعالجة القانونية والإنسانية المناسبة لملفات المهاجرين.

كما أن طبيعة الجنسيات المعنية بعمليات الإعادة تبرز تعقيد الملف، باعتباره لا يرتبط حصرياً بالعلاقات الثنائية بين المغرب وإسبانيا، بل يمتد إلى قضايا الهجرة الدولية، ومسارات العبور، والتزامات الدول في مجال حماية اللاجئين والمهاجرين.

التعاون المغربي الإسباني بين الأمن واحترام الحقوق

تؤكد التطورات الأخيرة أن التعاون بين الرباط ومدريد يظل عاملاً أساسياً في مواجهة شبكات تهريب البشر، وتنظيم عمليات العودة، والتعامل مع التدفقات غير النظامية عبر الحدود.

لكن فعالية هذا التعاون لا ينبغي أن تقاس فقط بعدد عمليات الترحيل أو مستوى تشديد المراقبة الحدودية، بل يتعين أيضاً تقييمها على أساس احترام الكرامة الإنسانية، وضمان الحقوق القانونية للمهاجرين، والتعامل مع طلبات اللجوء وفق المعايير المعتمدة.

فالمقاربة الأمنية، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن معالجة الجوانب الإنسانية والقانونية، كما أن التنسيق بين البلدين يظل مطالباً بمراعاة أوضاع الأشخاص المعنيين، خصوصاً الفئات الأكثر هشاشة.

هل تتحول عمليات الترحيل إلى مسار دائم؟

قد تشكل عودة عمليات الإعادة من سبتة مؤشراً على استئناف التنسيق العملي بين المغرب وإسبانيا في ملف الهجرة، لكنها لا تعني بالضرورة انتهاء الأزمة أو تجاوز الخلافات المرتبطة بها.

فالملف ما زال مفتوحاً على أبعاد سياسية وأمنية وإنسانية وقانونية متشابكة، ومن المتوقع أن يستمر حاضراً في النقاش الإسباني، خاصة في ظل الضغوط السياسية المرتبطة بتدبير الحدود ومعالجة أوضاع المهاجرين.

ويبقى التحدي المطروح أمام الرباط ومدريد هو مدى قدرتهما على بلورة مقاربة مشتركة ومتوازنة، تجمع بين حماية الحدود ومكافحة شبكات التهريب، واحترام حقوق الإنسان والالتزامات القانونية المتعلقة باللجوء.

فهل تنجح الرباط ومدريد في بناء سياسة مشتركة للهجرة توازن بين الاعتبارات الأمنية والضمانات الإنسانية، أم ستظل عمليات الترحيل والتدابير الحدودية حلولاً مؤقتة لأزمة تتجدد كلما اشتدت الضغوط على المعابر؟

جريدة أصوات الوطنية – متابعة تطورات ملف الهجرة والعلاقات المغربية الإسبانية.

التعليقات مغلقة.