تضع المظاهر المتفاقمة للتسيب العشوائي بمدينة الحسيمة التدبير المحلي أمام امتحان حقيقي يتجاوز حدود الاختلالات العادية، ليمس بجوهر دولة المؤسسات وسيادة القانون. ففي الوقت الذي خُصصت فيه للجوهرة المتوسطية برامج تنموية طموحة لتعزيز جاذبيتها الحضارية والسياحية، تحولت الشوارع الرئيسية والفضاءات العمومية إلى المشهد الأكثر تعبيراً عن التراجع، مترافقة مع تساؤلات حارقة حول الغياب الفعلي لمبدأ المحاسبة الذي أقرّه الخطاب الملكي لشهر يوليوز 2017: «كيف يستطيع أي مسؤول، لا يقوم بواجبه، أن يخرج من بيته، ويستقل سيارته… وينظر إلى الناس، دون خجل ولا حياء؟».
لم تعد تراكمات الأزبال، واحتلال الأرصفة، وانتشار الروائح الكريهة مجرد استثناءات عابرة، بل أضحت مظهراً يومياً يضيّق الخناق على حركة الراجلين ويصادر حق المواطن في فضاء آمن ومُنظّم. وامتدت الفوضى لتشمل شرياناً حيوياً كشارع محمد الخامس، الذي بات يستقبل منشآت عشوائية، وعربات مجرورة، ومعروضات جائرة تجاوزت حدود التجارة غير المهيكلة لتصبح وضعاً قائماً يُفقد المدينة هويتها الجمالية والرمزية.
تتأكد خطورة المشهد بالنظر إلى حالة الأكشاك القارة المنتشرة فوق الأرصفة وحتى داخل المساحات الخضراء، كما هو الحال في حديقة “تشيتا”. وتزداد حالة الذهول الإداري مع المعطيات التي تؤكد اتخاذ المجلس الجماعي، خلال ولاية سابقة، مقرراً يقضي بعدم منح تراخيص لإنشاء الأكشاك القارة؛ وهو المقرر الذي لا يتوفر ما يفيد إلغاءه أو تعديله وفق المساطر القانونية المعمول بها. إن استمرار هذه الممارسات بلا سند إداري يُطرح معه سؤال عريض حول مدى احترام القرارات التنظيمية، وموقع سلطة الوصاية في حماية المقررات المعتمدة والسهر على فرض احترام القانون.
تتجاوز القضية حدود الخلل التخطيطي لتصل إلى شبهات وتجاوزات أخلاقية وقانونية يروج لها الشارع المحلي؛ بدءاً من قيام بعض المحلات التجارية بـ “تأجير” الأرصفة المحاذية لها للغير وكأنها ملكية خاصة، وصولاً إلى واقعة مقر الجماعة المؤسفة التي كشفت عن استغلال حاجة المواطنين وضائقتهم المادية للسمسرة في تراخيص العربات المجرورة. مثل هذه السلوكيات تتطلب تحرياً شفافاً وتحقيقاً قضائياً وإدارياً يحدد المسؤوليات ويقطع مع منطق الريع والإفلات من العقاب.
أمام مجلس جماعي يُدار برئيس غائب إلى أجل غير مسمى، وتشلل شبه تام للأدوار الرقابية والتنفيذية للمؤسسة المنتخبة، تظل المعارضة وسلطة الوصاية مطالبين بالخروج من موقف المتفرج. إن صون المصلحة العامة للحسيمة لا يتحقق بالتجاهل أو تسويف الأزمات، بل بتفعيل عاجل لآليات المراقبة، وتطهير الفضاء العام، وإعادة الاعتبار للمؤسسات المنتخبة عبر المحاسبة القانونية الصارمة لكل من ثبت تقصيره أو تورطه في هذا الوضع العابث.

التعليقات مغلقة.