رغم الإشادة الواسعة التي حظيت بها مشاريع تهيئة وتوسعة عدد من الشوارع الرئيسية بمدينة مراكش، لما أسهمت به في تحسين انسيابية حركة السير والتخفيف من الاختناق المروري، فإن اختيارات إعادة التشجير المصاحبة لهذه الأوراش أثارت نقاشاً متزايداً حول مدى مراعاة البعد البيئي والتراثي للمدينة الحمراء.
فقد ساهمت مشاريع التهيئة، التي شملت محاور طرقية رئيسية من بينها شارع علال الفاسي، في الرفع من جودة البنية التحتية وتسهيل التنقل، خاصة خلال فترات الذروة والمواسم السياحية التي تستقبل فيها مراكش آلاف الزوار. غير أن استبدال أشجار الزنبوع، المعروفة أيضاً بالبرتقال المر أو “الرونج”، بأشجار الجاكرندا ذات الأزهار البنفسجية، كما حدث سابقاً بشارع عبد الكريم الخطابي، أثار تساؤلات لدى عدد من المهتمين بالشأن البيئي والثقافي.
وتحظى شجرة الزنبوع بمكانة خاصة في الذاكرة الجماعية للمراكشيين، إذ تعد من أبرز مكونات الهوية النباتية للمدينة، بعدما ارتبطت لعقود بحدائقها التاريخية ورياضاتها العتيقة وشوارعها وأحيائها، فضلاً عن حضورها في المشهد العمراني الذي يميز مراكش.
ولا تقتصر أهمية هذه الشجرة على بعدها الجمالي، بل تمتد إلى قيمتها الثقافية والدينية والاقتصادية، إذ تشكل أزهارها المادة الأساسية لإنتاج ماء الزهر، الذي يحتل مكانة راسخة في الثقافة المغربية، ويستعمل في إعداد الحلويات التقليدية، وفي الطقوس الاجتماعية والدينية، ومجالس العلم والسماع والمديح، إلى جانب استعماله في التطيب اقتداء بالسنة النبوية.
كما تتميز شجرة الزنبوع بقدرتها على التأقلم مع المناخ المحلي لمراكش، وتوفير ظل دائم وروائح زكية خلال موسم الإزهار، فضلاً عن مساهمتها في إنتاج الزيوت العطرية وماء الزهر، ما يجعلها تتجاوز دورها كشجرة للزينة إلى عنصر من عناصر التراث البيئي والاقتصادي للمدينة.
وانطلاقاً من هذا الوعي بأهمية الزنبوع، تواصل جمعية منية مراكش، برئاسة الدكتور جعفر الكنسوسي، تنظيم تظاهرة “زهرية مراكش” التي بلغت سنة 2026 دورتها الرابعة عشرة، وامتدت من 22 مارس إلى 12 أبريل، احتفاء بموسم تقطير الزهر.
وشهدت التظاهرة مشاركة واسعة لمختلف مكونات المدينة، من بينها جامعة القاضي عياض وعدد من الكليات والمعاهد العليا والمؤسسات التعليمية وجمعيات المجتمع المدني والحرفيين، إلى جانب تنظيم أنشطة بالفضاءات العمومية تهدف إلى التعريف بأهمية شجرة الزنبوع والتحسيس بضرورة المحافظة عليها باعتبارها جزءاً من التراث البيئي والثقافي لمراكش.
كما حظيت “زهرية مراكش” بدعم مؤسسات رسمية وأكاديمية عدة، من بينها وزارة الشباب والثقافة والتواصل، ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ووزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، وولاية جهة مراكش-آسفي، وجامعة القاضي عياض، وكلية الآداب والعلوم الإنسانية، وكلية الطب والصيدلة بمراكش، وجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية بابن جرير، والمدرسة العليا للتجارة، إضافة إلى مؤسسات اقتصادية واجتماعية أخرى.
ويرى منظمو التظاهرة أن الهدف لم يكن مجرد الاحتفاء بموسم تقطير الزهر، بل العمل على ترسيخ هذا الموعد ضمن الأجندة الثقافية للمدينة، والدفع نحو إقرار موسم رسمي لشجرة الزنبوع ومنتوج ماء الزهر، على غرار المواسم الوطنية المخصصة لمنتجات محلية أخرى، بما يعزز الإشعاع الثقافي والسياحي لمراكش ويحافظ على أحد أبرز مكوناتها التراثية.
وفي المقابل، يحذر متابعون من أن استمرار استبدال أشجار الزنبوع بأصناف أخرى في مشاريع إعادة التشجير قد يؤدي إلى تراجع هذا الموروث النباتي، خاصة في ظل التوسع العمراني وتقلص المساحات الخضراء، وهو ما يثير تساؤلات بشأن مدى أخذ البعد التراثي والبيئي بعين الاعتبار عند اختيار الأصناف النباتية المؤثثة للفضاءات العمومية.
ويظل السؤال مطروحاً حول ما إذا كان المجلس الجماعي لمدينة مراكش سيعيد النظر في سياسة التشجير المعتمدة، بما يسمح بالحفاظ على شجرة الزنبوع وإعادة حضورها في شوارع المدينة، حفاظاً على هوية مراكش البصرية والعطرية التي طالما ارتبطت بشذى أزهار الزنبوع خلال فصل الربيع.

التعليقات مغلقة.