عاد ملف الصحراء المغربية إلى واجهة اهتمام الصحافة الإسبانية، عقب انتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء «المينورسو»، بعد نحو 35 عاماً من وجودها بالمنطقة، في تطور أعاد طرح تساؤلات بشأن مستقبل المسار الأممي للنزاع وتوازنات التحرك الدبلوماسي داخل مجلس الأمن الدولي.
وفي تغطيتها المنشورة الثلاثاء، سلطت صحيفة «La Vanguardia» الإسبانية الضوء على حالة عدم اليقين التي أعقبت انتهاء الولاية الأممية للبعثة، معتبرة أن هذا التطور يفتح مرحلة جديدة تتسم بالغموض السياسي والأمني، في ظل استمرار الخلاف بين المغرب وجبهة البوليساريو، وتباين المواقف الدولية بشأن سبل التوصل إلى تسوية نهائية.
ويأتي هذا التطور بعد إخفاق مجلس الأمن الدولي، يوم 30 أكتوبر الماضي، في التوصل إلى اتفاق بشأن تمديد ولاية المينورسو، إثر استخدام روسيا حق النقض ضد مشروع قرار أمريكي، قبل أن يفشل مشروع القرار الروسي البديل في الحصول على الأصوات اللازمة لاعتماده.
انتهاء الولاية الأممية.. بداية مرحلة جديدة؟
دخل انتهاء ولاية المينورسو حيز التنفيذ ابتداءً من فاتح نونبر 2026، بعد تعذر التوصل إلى توافق داخل مجلس الأمن بشأن تجديد مهمتها، التي تأسست سنة 1991 في أعقاب اتفاق وقف إطلاق النار، بهدف الإشراف على ترتيبات مرتبطة بالاستفتاء ومراقبة الوضع الميداني.
ورغم انتهاء الولاية، فإن ذلك لا يعني الانسحاب الفوري لجميع عناصر البعثة؛ إذ أعلنت الأمم المتحدة بدء مرحلة تصفية تدريجية لمهمتها، تتولى خلالها مجموعة محدودة الإشراف على الانسحاب المنظم للموارد والأفراد.
ومنذ تأسيسها، اضطلعت البعثة بدور في مراقبة وقف إطلاق النار ومتابعة التطورات الميدانية، غير أن الاستفتاء الذي أُنشئت للمساهمة في تهيئة الظروف لتنظيمه لم يرَ النور، بسبب الخلافات السياسية والقانونية المرتبطة بتحديد الهيئة الناخبة وشروط التسوية.
وترى الصحيفة الإسبانية أن انتهاء الولاية يطرح تساؤلات حول مستقبل آليات مراقبة الوضع الميداني، خاصة أن وجود المراقبين الأمميين كان يشكل إحدى قنوات متابعة التطورات والحد من مخاطر التصعيد.
كما أوردت التغطية أرقاماً تفيد بأن البعثة كانت تضم 359 عنصراً، مقابل طاقة تشغيلية مرخصة تصل إلى 534 فرداً، وهي معطيات تعكس حجم الحضور الميداني الذي كانت تضطلع به قبل انتهاء ولايتها.
المغرب يتمسك بمبادرة الحكم الذاتي
على المستوى المغربي، يأتي هذا التطور في سياق تمسك المملكة بمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتبارها أساساً للتفاوض من أجل التوصل إلى حل سياسي للنزاع.
وتعتبر الرباط أن المرحلة المقبلة تتيح فرصة لإعادة تقييم المسار الأممي، والانتقال من تدبير النزاع إلى البحث عن تسوية سياسية واقعية ودائمة، تستند إلى التفاوض وتراعي التحولات الإقليمية والدولية.
وفي هذا الإطار، تتواصل التحركات الدبلوماسية المغربية الرامية إلى توسيع دائرة الدعم الدولي لمقترح الحكم الذاتي، وتعزيز حضوره ضمن النقاشات المرتبطة بمستقبل المنطقة.
وكانت السلطات المغربية قد اعتبرت عدم تجديد ولاية المينورسو تطوراً مهماً في مسار الملف، فيما أكدت مواقف رسمية مغربية ضرورة مواصلة التحرك الدبلوماسي على المستويين الثنائي والإقليمي.
البوليساريو والجزائر.. تحفظات بشأن تداعيات القرار
في المقابل، أثار عدم تجديد ولاية البعثة تحفظات لدى جبهة البوليساريو والجزائر، بالنظر إلى ما قد يترتب عن غياب الإطار الأممي السابق من تغيرات في آليات مراقبة وقف إطلاق النار ومتابعة الوضع الميداني.
وتتمحور المخاوف المطروحة حول احتمال تراجع آليات الرصد والوساطة، وما قد يرافق ذلك من تحديات أمنية، خصوصاً في ظل استمرار الخلاف بشأن المنطقة العازلة ومراقبة الالتزامات المرتبطة بوقف إطلاق النار.
وكانت روسيا قد بررت استخدام حق النقض ضد المشروع الأمريكي باعتباره يتضمن توجهاً يسبق نتائج المفاوضات، فيما اعتبرت جبهة البوليساريو أن المقترح لا يضمن، من وجهة نظرها، الحفاظ على مبدأ تقرير المصير.
s+1وتضع هذه المواقف الأطراف المعنية أمام مرحلة جديدة تتطلب إعادة تقييم الخيارات السياسية والدبلوماسية، في ظل استمرار تباين الرؤى بشأن طبيعة الحل النهائي للنزاع.
الأمم المتحدة تدعو إلى ضبط النفس ومواصلة الحوار
من جهتها، تؤكد الأمم المتحدة أن انتهاء ولاية المينورسو لا يعني التخلي عن المساعي الدولية الرامية إلى إيجاد حل سياسي للنزاع.
ويظل احترام وقف إطلاق النار وتفادي التصعيد من أبرز التحديات المطروحة خلال المرحلة الانتقالية، بالنظر إلى أهمية الاستقرار الإقليمي وضرورة استمرار قنوات التواصل بين الأطراف المعنية.
كما تواصل المنظمة الدولية الاعتماد على المساعي السياسية التي يقودها المبعوث الشخصي للأمين العام إلى الصحراء، ستافان دي ميستورا، في إطار البحث عن تسوية سلمية ودائمة ومقبولة من الأطراف.
وتبرز أهمية هذه الجهود في ظل الحاجة إلى الحفاظ على المسار التفاوضي، وتفادي تحول الخلافات السياسية إلى توترات ميدانية قد تزيد من تعقيد الوضع الإقليمي.
إسبانيا تتابع تطورات ملف يرتبط بتاريخها ومصالحها
يحظى ملف الصحراء باهتمام خاص داخل إسبانيا، بالنظر إلى الخلفية التاريخية للمنطقة وارتباطها بالمرحلة الاستعمارية الإسبانية، فضلاً عن المصالح الجيوسياسية والاقتصادية والأمنية التي تربط مدريد بدول شمال إفريقيا.
وتعكس التغطية الإعلامية الإسبانية الأخيرة استمرار الاهتمام بمآلات الملف، خاصة في ما يتعلق بتداعيات انتهاء ولاية المينورسو على الاستقرار الإقليمي، وانعكاسات أي تصعيد محتمل على العلاقات بين المغرب والجزائر، وعلى التوازنات السياسية والأمنية في المنطقة.
كما أن التطورات الأخيرة تضع الموقف الإسباني أمام متابعة دقيقة لمسار التحركات الأممية والدبلوماسية، بالنظر إلى ارتباط هذا الملف بعلاقات مدريد مع مختلف الأطراف المعنية.
قراءة جريدة أصوات الوطنية
لا يمكن اختزال التطورات الأخيرة في مجرد انتهاء ولاية بعثة أممية، بل يتعلق الأمر بتحول في الإطار الذي جرى من خلاله تدبير النزاع على مدى أكثر من ثلاثة عقود، وما يرافق ذلك من أسئلة بشأن مستقبل المراقبة الميدانية والوساطة السياسية.
وبالنسبة للمغرب، يتمثل التحدي في مواصلة تعزيز حضوره الدبلوماسي وتوسيع الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، مع الحرص على الاستقرار واحترام الالتزامات المرتبطة بوقف إطلاق النار.
أما باقي الأطراف، فتجد نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم مواقفها وخياراتها في ظل واقع دولي متغير، وتوازنات جديدة داخل مجلس الأمن، دون أن يعني انتهاء ولاية البعثة بالضرورة انتهاء النزاع أو حسم مساره السياسي.
ويبقى السؤال المطروح: هل يشكل انتهاء ولاية المينورسو مدخلاً لإعادة صياغة المسار الدبلوماسي نحو تسوية نهائية، أم أن المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة من التجاذبات السياسية والأمنية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ستظل مرتبطة بمواقف الأطراف، وطبيعة التحركات الدولية المقبلة، ومدى قدرتها على الانتقال من إدارة الخلاف إلى البحث عن حل سياسي سلمي ودائم.
جريدة أصوات الوطنية – متابعة الصحافة الإسبانية والدولية
التعليقات مغلقة.