المجلس الوطني للصحافة في ضوء القانون 09.26: نحو ترسيخ التنظيم الذاتي وتعزيز الحكامة الإعلامية بالمغرب
يشكل صدور القانون رقم 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة محطة دستورية ومؤسساتية بارزة في مسار إصلاح قطاع الإعلام بالمغرب. ولا يقتصر هذا النص القانوني على إعادة هيكلة مؤسسة مهنية، بل يعكس إرادة تشريعية تروم تطوير آليات التنظيم الذاتي للمهنة، وتعزيز استقلالية الصحافة، وتكريس مبادئ الحكامة والشفافية، بما ينسجم مع مقتضيات دستور 2011 والتحولات التي يشهدها المشهد الإعلامي الوطني والدولي.
وتكتسي هذه المرحلة أهمية خاصة، لأنها تأتي بعد تجربة أولى للمجلس الوطني للصحافة، كشفت عن مجموعة من الإكراهات القانونية والتنظيمية والعملية، الأمر الذي استدعى مراجعة الإطار القانوني بما يضمن تجاوز الاختلالات السابقة، ويفتح المجال أمام مرحلة جديدة أكثر نجاعة وفعالية.
القانون 09.26… إصلاح تشريعي استجاب للملاحظات الدستورية
جاء القانون الجديد بعد مسار تشريعي اتسم بالنقاش المؤسساتي، خاصة عقب ملاحظات المحكمة الدستورية التي ساهمت في إعادة صياغة عدد من المقتضيات بما ينسجم مع أحكام الدستور.
ولا يمكن النظر إلى هذا القانون باعتباره مجرد تعديل تقني، بل هو مراجعة شاملة لفلسفة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، تقوم على إرساء توازن بين مختلف مكونات الجسم الإعلامي، وضمان تمثيلية أكثر عدالة للصحافيين والناشرين، مع الحفاظ على استقلالية المؤسسة عن مختلف أشكال التأثير.
ويبرز في هذا السياق الدور الذي لعبته وزارة الشباب والثقافة والتواصل، بقيادة الوزير المهدي بنسعيد، في مواكبة إخراج هذا الورش القانوني، من خلال اعتماد مقاربة الحوار والانفتاح على الفاعلين المهنيين والمؤسسات الدستورية.
التنظيم الذاتي… ركيزة أساسية لاستقلالية المهنة
يعتبر التنظيم الذاتي أحد أهم المبادئ التي يقوم عليها القانون الجديد، باعتباره آلية تمنح الجسم الصحفي القدرة على تدبير شؤونه المهنية بنفسه، بعيدا عن أي تدخل قد يمس استقلالية القرار المهني.
ويعني التنظيم الذاتي أن يكون الصحافيون والناشرون مسؤولين عن وضع القواعد الأخلاقية المنظمة للمهنة، والسهر على احترامها، مع ضمان حق المجتمع في إعلام مهني، مسؤول، ومتعدد.
كما أن نجاح هذا النموذج رهين بوجود مجلس يتمتع بالمصداقية والاستقلال المالي والإداري، ويكون قادرا على ممارسة اختصاصاته دون ضغوط سياسية أو اقتصادية.
الشفافية… المدخل الحقيقي لاستعادة الثقة
من أبرز الرهانات التي يفرضها القانون الجديد جعل الشفافية مبدأ مؤطرا لعمل المجلس الوطني للصحافة.
فالشفافية لا تقتصر على نشر القرارات، وإنما تشمل كذلك تدبير الموارد المالية، وكيفية توزيع الدعم العمومي، وإتاحة المعطيات المتعلقة بالاستفادة منه للرأي العام.
وتشكل هذه المقاربة مدخلا أساسيا لاستعادة ثقة المهنيين والمواطنين في المؤسسات المهنية، وترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، باعتباره أحد المرتكزات الدستورية للحكامة الجيدة.
الدعم العمومي… بين تطوير المقاولة الإعلامية وربط المسؤولية بالمحاسبة
ظل الدعم العمومي الموجه للمقاولات الصحفية موضوع نقاش واسع داخل الأوساط الإعلامية، بالنظر إلى تباين الآراء حول كيفية صرفه وطرق الاستفادة منه.
ويفتح القانون الجديد المجال أمام مقاربة أكثر وضوحا، تقوم على تعزيز آليات المراقبة وربط الدعم بأهداف تطوير المقاولة الإعلامية، وتحسين جودة المنتوج الصحفي، والرفع من أوضاع الصحافيين المهنيين.
كما يكرس مبدأ مساهمة الناشرين في تمويل المجلس الوطني للصحافة، بما يعزز استقلاليته المالية ويقلل من تبعيته للتمويل العمومي.
تمثيلية متوازنة بين الصحافيين والناشرين
من أهم مستجدات القانون الجديد إقراره لمبدأ التوازن داخل تركيبة المجلس الوطني للصحافة، من خلال منح تمثيلية متساوية للصحافيين المهنيين والناشرين.
ويهدف هذا التوجه إلى تجاوز المقاربات السابقة، وإرساء شراكة حقيقية بين طرفي العملية الإعلامية، باعتبارهما يشكلان ركيزتين أساسيتين في تطوير القطاع.
كما اعتمد القانون آليات مختلفة للاختيار، تجمع بين الانتخاب والانتداب والتعيين، بما يضمن تمثيلية متنوعة لمختلف المكونات المهنية والمؤسساتية.
المناصفة وتجديد النخب داخل المجلس
كرس القانون رقم 09.26 مبدأ المناصفة بين النساء والرجال داخل المجلس، انسجاما مع التوجهات الدستورية الرامية إلى تعزيز المشاركة النسائية في مراكز القرار.
كما حرص على إقرار التداول في المسؤوليات، من خلال المزاوجة بين الصحافيين والناشرين في رئاسة المجلس ونيابة الرئاسة، بما يعزز مبدأ التوازن المؤسساتي.
ويعد هذا التوجه خطوة مهمة نحو تجديد النخب المهنية، وإفساح المجال أمام كفاءات جديدة قادرة على مواكبة التحولات الرقمية والإعلامية.
الرئيس المقبل… مسؤولية وطنية قبل أن تكون منصبا مهنيا
يفرض السياق الحالي اختيار شخصية تمتلك الكفاءة المهنية والخبرة المؤسساتية، وقادرة على بناء جسور الثقة بين مختلف مكونات الجسم الإعلامي.
فالرئيس المقبل للمجلس لن يكون مجرد مسؤول إداري، بل سيكون مطالبا بالدفاع عن استقلالية الصحافة، وتعزيز الحوار مع المؤسسات الدستورية، والانفتاح على مختلف التنظيمات المهنية، مع الحفاظ على الحياد تجاه مختلف الحساسيات داخل القطاع.
وتزداد أهمية هذا الدور مع اقتراب المغرب من استحقاقات دولية كبرى، وفي مقدمتها تنظيم كأس العالم 2030، التي ستضع الإعلام الوطني أمام تحديات مهنية وتنظيمية غير مسبوقة.
الإعلام المغربي أمام تحديات المرحلة المقبلة
تشهد الصحافة المغربية تحولات متسارعة بفعل الثورة الرقمية، وتغير أنماط استهلاك الأخبار، واشتداد المنافسة مع المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي.
ولذلك، فإن نجاح المجلس الوطني للصحافة لن يقاس فقط بمدى احترامه للنصوص القانونية، وإنما بقدرته على مواكبة هذه التحولات، والدفاع عن المقاولة الإعلامية، وتأهيل الصحافيين، وحماية أخلاقيات المهنة، والتصدي للممارسات التي تسيء إلى صورة الإعلام الوطني.
ويبقى نجاح هذه التجربة رهينا بحسن تنزيل مقتضيات القانون، وبقدرة مختلف الفاعلين على تغليب المصلحة العامة للمهنة، بعيدا عن الحسابات الضيقة، حتى يضطلع المجلس الوطني للصحافة بدوره كاملاً في حماية حرية الصحافة، وصيانة أخلاقياتها، وتعزيز مكانة الإعلام المغربي كرافعة للديمقراطية والتنمية.

التعليقات مغلقة.