كشف وزير الخارجية اللبناني يوسف رجّي اليوم الجمعة أن لبنان تلقى تحذيرات عربية ودولية من أن إسرائيل تحضر لعملية عسكرية واسعة ضد البلاد. جاء ذلك في وقت تتصاعد فيه التوترات وتُشن غارات إسرائيلية على مناطق متفرقة جنوب وشرق لبنان، وسط تباين في المواقف الداخلية والإقليمية.
وأوضح رجي، في حديث للجزيرة، أن الحكومة اللبنانية تكثف حالياً اتصالاتها الدبلوماسية بهدف “تحييد لبنان ومرافقه عن أي ضربة إسرائيلية”. وأكد أن اجتماعات “لجنة الميكانيزم” المختصة بمراقبة وقف إطلاق النار لا تعني أن البلاد في مفاوضات تقليدية مع إسرائيل، بل تسعى “للعودة إلى اتفاقية الهدنة”، فيما يعد تحقيق “معاهدة سلام” أمراً “بعيداً حالياً”.
وفي موقف داخلي حاسم، انتقد الوزير سلاح حزب الله، قائلاً إنه “أثبت عدم فعاليته بإسناد غزة والدفاع عن البلاد”. وأشار إلى أن الدولة اللبنانية “تحاور حزب الله لإقناعه بتسليم سلاحه، لكنه يرفض ذلك”.
توازياً مع هذه التحذيرات، شنت الطائرات الحربية الإسرائيلية، اليوم الجمعة، سلسلة غارات على مناطق عدة في جنوب لبنان وشرقه. بحسب وكالة الأنباء اللبنانية ومراسلي الجزيرة، شملت الغارات بلدات وقرى في محافظتي النبطية والجنوب ومنطقة البقاع الغربي، من بينها مرتفعات الجرمق والمحمودية والجبل الرفيع وسجد وتبنا وحومين ورومين وأطراف الزرارية وأنصار والعيشية ووادي زلايا.
ادعاءات إسرائيلية: زعم الجيش الإسرائيلي في بيان أنه استهدف “مجمّع تدريب وتأهيل” تابع لوحدة “قوة الرضوان” التابعة لحزب الله، وأيضاً “بنى تحتية عسكرية إضافية” للحزب في عدة مناطق بجنوب لبنان. وادعى أن هذه المواقع تُستخدم لتأهيل عناصر الحزب على الرماية واستخدام أنواع مختلفة من الأسلحة، “بهدف تخطيط وتنفيذ مخططات معادية”.
نمط متكرر: أشارت مراسلة الجزيرة في بيروت إلى أن هذه الهجمات تستهدف تلالاً وودياناً، وليس مراكز سكانية مكتظة، وذلك كجزء من “ضغوط عسكرية مستمرة” على حزب الله لإجباره على نزع سلاحه. يأتي ذلك بعد أن قامت إسرائيل قبل أسبوعين بضربة في ضاحية بيروت الجنوبية قُتل فيها القائد العسكري البارز في حزب الله، حيدر علي تباطأبي.
تعود جذور التوتر الحالي إلى ما قبل اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في نوفمبر/تشرين الثاني 2024. منذ ذلك الحين، اتهمت مصادر لبنانية إسرائيل بارتكاب آلاف الخروقات، مما أسفر عن سقوط مئات القتلى والجرحى بين المدنيين اللبنانيين، إضافة إلى أضرار مادية كبيرة.
إحدى القضايا الرئيسية المعلقة هي استمرار إسرائيل في احتلال خمس تلال لبنانية في الجنوب استولت عليها خلال الحرب الأخيرة، بالإضافة إلى مناطق أخرى تحتلها منذ عقود، مما يشكل تحدياً صريحاً للاتفاق من وجهة النظر اللبنانية.
وتظهر معطيات لمركز “جينسا” (JINSA) أن إسرائيل نفذت خلال الأشهر الأحد عشر الماضية أكثر من 1150 عملية ضد أهداف مرتبطة بحزب الله، في حين أن نشاط الجيش اللبناني لتحجيم الحزب كان أقل بكثير. ويشير التقرير إلى أن الجيش اللبناني يزيد من تحركه فقط تحت “ضغوط دولية مستمرة”، قبل أن يعود نشاطه إلى الانخفاض، مما يدفع إسرائيل إلى زيادة ضرباتها بشكل أكبر.
أكد رجي في حديثه وجود “مشكلة مع إيران”، واصفاً الدور الإيراني في لبنان والمنطقة بـ “السلبي جداً”، وأن سياسات طهران هي من “مصادر عدم الاستقرار في المنطقة”. وأضاف أن لبنان منفتح على الحوار مع إيران، لكن “بشرط توقفها عن التدخل في شؤون لبنان الداخلية، والتوقف عن تمويل تنظيم غير شرعي في لبنان”.
هذا الموقف يأتي بعد يومين فقط من إعلان رجي اعتذاره رسمياً عن زيارة طهران رغم دعوة نظيره الإيراني، واقتراحه عقد لقاء في دولة ثالثة محايدة بدلاً من ذلك، مؤكداً أن بناء دولة قوية لا يتم إلا باحتكار الدولة وحدها لقرار الحرب والسلم وامتلاك السلاح. من جهته، رد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يوم أمس الخميس، مؤكداً أن بلاده “لم تتدخل قط في الشؤون الداخلية للبنان”، وأن الجيش اللبناني وحزب الله “يتخذان قراراتهما بشكل مستقل”.
تبدو الأزمة اللبنانية متعددة الجوانب، فهي تجمع بين تهديدات خارجية محتملة بتصعيد عسكري إسرائيلي واسع، وصراع داخلي حول ملف السلاح، وتوتر في العلاقات مع حليف إقليمي رئيسي هو إيران. كل ذلك يجري فوق ركام حرب سابقة وأوضاع إنسانية صعبة، مما يضع لبنان أمام تحديات مصيرية تتطلب حلاً سياسياً شاملاً أكثر من أي وقت مضى.

التعليقات مغلقة.