وسط أجواء التفاؤل والطموح، افتتحت اليوم الجمعة بمراكش الدورة الثانية لمنتدى أعمال منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، بحضور رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش، الذي أكد في كلمة محورية على ثبات رؤية المغرب تجاه القارة الإفريقية، ودور الاندماج الاقتصادي كرافعة للرخاء والاستقرار.
أكد أخنوش أن المغرب، بفضل التوجيهات الملكية، يكرس مكانته كفاعل محوري وشريك إستراتيجي في تعزيز التعاون متعدد الأبعاد بين دول القارة، مشدداً على أن رؤية المغرب لإفريقيا “تظل ثابتة” وتتمثل في قدرة القارة على التحكم في مصيرها، وتحويل مواردها إلى قيمة مضافة، وربط مناطقها من البحر المتوسط إلى المحيط الأطلسي.
وقال أخنوش: “هذه الرؤية تجسدت في المبادرة الملكية لفائدة الدول الإفريقية الأطلسية ودول الساحل، حيث وضعت المملكة بنياتها التحتية المينائية واللوجستية في خدمة 23 بلداً”، مشيراً أيضاً إلى مشروع أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب الذي وصفه بأنه “بنية إستراتيجية من شأنها تهيئة الأرضية لعملية تصنيع مشتركة في قطاعات عدة”.
قدم رئيس الحكومة تحليلاً واقعياً للتحديات التي تواجه التبادل التجاري الإفريقي، مشيراً إلى أن إفريقيا تمثل نحو 16% من سكان العالم، لكنها لا تساهم سوى بحوالي 3% من التجارة الدولية، كما أن المبادلات البينية داخل القارة لا تتجاوز 16% من إجمالي التجارة، مقابل أكثر من 60% في أوروبا وآسيا.
وعلى مستوى المغرب، أشار أخنوش إلى أن صادرات المملكة نحو البلدان الإفريقية بلغت أكثر من 30 مليار درهم خلال السنوات الأخيرة، لكنها لا تمثل سوى 7% من إجمالي التجارة الخارجية للمملكة.
من التحرير الجمركي إلى التحول الاقتصادي
أوضح رئيس الحكومة أن منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية “ليست فقط جدولاً زمنياً لإزالة الحواجز الجمركية، بل هي منظومة متكاملة تنظم تحرير السلع والخدمات، والبروتوكولات المتعلقة بالاستثمار، والمنافسة، والملكية الفكرية، ثم التجارة الرقمية وإدماج النساء والشباب”.
وشدد أخنوش على ضرورة احترام جداول إلغاء الرسوم الجمركية، وتوفير إطار واضح للحواجز غير الجمركية التي تقيد التبادلات، خاصة ما يتعلق بالإجراءات غير الشفافة والمراقبات التقنية المتكررة.
المحور المالي: قاطرة التكامل
أبرز المسؤول المغربي دور المغرب في تعزيز التمويل الإقليمي، معتبراً أن “الاندماج بدون إيجاد حلول للتمويلات سيجعلنا حبيسي المشاريع على المستوى النظري”، مشيراً إلى قوة المغرب المتمثلة في القطب المالي للدار البيضاء، الذي وصفه بأنه “محرك رئيسي للتكامل الاقتصادي الإفريقي”.
كما أشار إلى وجود المجموعات البنكية المغربية في أكثر من 20 بلداً إفريقياً، وانضمام بنك المغرب حديثاً إلى نظام الدفع والتسوية لعموم إفريقيا (PAPSS)، مما يضع المملكة في موقع مناسب لتبني مشاريع رائدة في مجالات الدفع بالعملات المحلية وتأمين القروض.
اختتم أخنوش كلمته بدعوة ملحة للعمل: “إفريقيا لم تعد بحاجة إلى من يقول لها إنها قارة المستقبل، بل تحتاج إلى أن نهيئ لها الشروط التي تجعل من هذا المستقبل حاضراً مشتركاً”، مؤكداً أن “المغاربة سيتحملون نصيبهم الكامل من المسؤولية حتى يصبح الاندماج الاقتصادي الإفريقي رافعة للرخاء والاستقرار والكرامة لشعوب المنطقة”.
يذكر أن منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية مرشحة لأن تصبح أكبر منطقة تبادل حر في العالم من حيث عدد البلدان المنخرطة فيها، حيث تنص على المدى البعيد على إلغاء الرسوم الجمركية على 97% من الخطوط التعريفية، مما يفتح آفاقاً جديدة للتعاون الاقتصادي بين دول القارة.

التعليقات مغلقة.