تونس مجددا في شارع الحبيب بورقيبة : حين يخرج الغضب الاجتماعي من صمته السياسي
لم تكن مظاهرة السبت 17 أكتوبر 2026 في العاصمة التونسية مجرد موعد احتجاجي جديد في روزنامة الصراع بين السلطة ومعارضيها ما جرى في شوارع تونس يطرح سؤالاً أعمق: هل بدأ المجتمع يستعيد قدرته على التعبير الجماعي عن رفضه بعد سنوات من التوتر السياسي وتراجع الثقة وتشتت القوى المعارضة؟
في شارع الحبيب بورقيبة حيث لا تزال ذاكرة يناير 2011 حاضرة في الوجدان التونسي اجتمعت أصوات نقابية وحقوقية ومهنية ومدنية وسياسية رافعة مطالب تتجاوز الخلاف حول الأشخاص إلى أسئلة المعيشة والحرية والقضاء والعمل والكرامة.
وقد جاءت المسيرة بدعوة من الاتحاد العام التونسي للشغل ومنظمات وطنية ومدنية في تحرك عُدّ من أبرز التعبئات الاحتجاجية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة.
لكن أهمية هذا المشهد لا تكمن في عدد الذين نزلوا إلى الشارع وحده بل في طبيعة الرسائل التي حملوها وفي الجهات التي اجتمعت حولها وفي ما يمكن أن تعنيه هذه العودة بالنسبة إلى مستقبل العلاقة بين الدولة والمجتمع.
الاتحاد العام التونسي للشغل… من الدفاع عن المطالب الاجتماعية إلى استعادة الدور الوطني
يصعب قراءة مظاهرة 17 أكتوبر من دون التوقف عند الاتحاد العام التونسي للشغل. فهذا التنظيم ليس مجرد نقابة مهنية تدافع عن الأجور والحقوق الاجتماعية إنه مؤسسة ذات تاريخ طويل في الحياة الوطنية ارتبط حضورها في محطات عديدة بالتفاوض والاحتجاج والوساطة بين القوى المتنازعة.
ومن هنا فإن مشاركته في تنظيم المسيرة تكتسب دلالة خاصة فحين تتراجع قنوات الحوار وتتعثر التسويات الاجتماعية تصبح النقابة أمام سؤال يتجاوز المطلب المهني : هل تكتفي بالدفاع عن منظوريها أم تتحمل أيضاً مسؤولية المساهمة في فتح المجال أمام حوار وطني أوسع؟
يبدو أن الاتحاد اختار في هذه المرحلة توسيع دائرة التحرك من خلال التنسيق مع منظمات حقوقية ومهنية ومدنية. وقد أُعلن عن هذا الإطار يوم 29 سبتمبر 2026 وضم تسع منظمات من بينها نقابة الصحفيين ورابطة حقوق الإنسان وهيئة المحامين ومنظمات طلابية ومهنية واجتماعية.
غير أن قوة الاتحاد لا تُقاس فقط بقدرته على جمع الناس في الشارع الرهان الحقيقي هو قدرته على تحويل التعبئة إلى مسار متواصل يربط الاحتجاج بالتفاوض ويربط الدفاع عن الحريات بالدفاع عن القدرة الشرائية والشغل والخدمات العمومية.
فالشارع يستطيع أن يعلن رفضه لكنه لا يستطيع وحده صياغة البدائل أو ضمان تنفيذها وهنا تبدأ مسؤولية المنظمة النقابية كما تبدأ مسؤولية بقية القوى المشاركة.
منذ 25 يوليو 2021 دخلت تونس مرحلة سياسية جديدة مع الإجراءات التي اتخذها الرئيس ثم إعادة تشكيل المؤسسات الدستورية والسياسية في السنوات التالية. وقد بررت السلطة خياراتها بضرورة تجاوز الانسداد ومقاومة الفساد وإعادة بناء الدولة بينما اعتبرت قوى معارضة ومنظمات حقوقية أن تركيز الصلاحيات أضعف التوازن المؤسسي وضيّق مجال المشاركة السياسية.
وبعد مرور أكثر من خمس سنوات على تلك اللحظة لم يعد النقاش محصوراً في شرعية الخيارات السياسية أو دوافعها الأولى بل أصبح مرتبطاً أيضاً بنتائجها العملية.
هل تحسنت حياة المواطن؟ هل أصبحت الإدارة أكثر فاعلية؟ هل وجد الشباب فرصاً أوسع للعمل؟ وهل باتت المؤسسات أكثر قدرة على حل المشكلات والاستجابة للمطالب؟
إن الاحتجاجات التي جمعت بين الغلاء والبطالة وتدهور الخدمات العامة والمطالبة بالحريات تكشف أن الأزمة لا يمكن فصلها إلى ملفين مستقلين: ملف اقتصادي وآخر سياسي فالمواطن الذي يواجه صعوبة في توفير احتياجاته اليومية لا ينظر بالضرورة إلى السياسة باعتبارها صراعاً دستورياً مجرداً إنه يقيسها بما يلمسه في المستشفى والمدرسة والإدارة وسوق العمل.
وفي المقابل لا يجوز اختزال كل الصعوبات الاقتصادية في عامل سياسي واحد فالأزمات الاجتماعية والمالية تتداخل فيها أسباب بنيوية واختيارات اقتصادية وتحديات داخلية وخارجية. لكن هذا التعقيد لا يعفي أي سلطة من مسؤولية تفسير نتائج سياساتها، وتقديم حصيلة قابلة للتقييم وفتح المجال أمام النقد والمساءلة.
إن الدولة لا تُقاس بما تعلنه من نوايا فحسب بل بقدرتها على تحويل الوعود إلى نتائج يشعر بها المواطن.
حين تلتقي الحرية بالخبز ليست المطالب الاجتماعية تفصيلاً.
من أكثر ما يستحق التأمل في مظاهرة الأمس تداخل الشعارات الاجتماعية والسياسية
. فالمتظاهرون لم يرفعوا مطلباً واحداً بل جمعوا بين الشغل والكرامة الوطنية وتحسين المعيشة والدفاع عن الحريات واستقلال القضاء، والمطالبة بالإفراج عن الموقوفين في قضايا سياسية وحقوقية.
هذا التداخل ليس أمراً عابراً إنه يعكس إدراكاً متزايداً لدى قطاعات من المجتمع بأن الحرية والعدالة الاجتماعية ليستا مسارين متعارضين.
فلا معنى لحرية لا يستطيع المواطن أن يمارسها خوفاً من الملاحقة ولا معنى لكرامة تُرفع شعاراً فيما يظل الشاب المعطل عن العمل ينتظر فرصة تمنحه الاستقلال المادي والاجتماعي. كما أن تحسين المؤشرات الاقتصادية إن تحقق لا يغني عن وجود مؤسسات خاضعة للمساءلة وقضاء تتوافر فيه ضمانات الاستقلال والمحاكمة العادلة.
وقد أعادت المسيرة إلى الواجهة شعاراً ارتبط بانتفاضة 2011: «شغل حرية كرامة وطنية». عودة هذا الشعار لا تعني أن تونس تعيش بالضرورة الظروف نفسها التي سبقت سقوط نظام بن علي لكنها تكشف أن الأسئلة التي حملها ذلك الشعار لم تفقد راهنيتها لدى قطاعات من التونسيين.
وهنا تكمن المفارقة: بعد كل ما شهدته البلاد من تحولات ما زال المواطن يطالب بمطالب أساسية كان يُفترض أن تشكل أرضية مشتركة لأي مشروع وطني ناجح.
وحدة الشارع… هل تجاوزت المعارضة خلافاتها؟
من العلامات اللافتة في مسيرة 17 أكتوبر مشاركة أطراف تنتمي إلى مشارب سياسية ومهنية ومدنية مختلفة.
وفي بلد أضعفت الانقسامات فيه قدرة المعارضة على التحرك المشترك يمثل هذا الاجتماع تطوراً يستحق الانتباه.
لكن علينا التمييز بين وحدة اللحظة ووحدة المشروع.
قد تتفق أطراف متعددة على رفض التضييق على الحريات أو على المطالبة بتحسين الأوضاع الاجتماعية من دون أن تتفق بالضرورة على تصور موحد للحكم والاقتصاد والدستور والعلاقات بين المؤسسات وقد ينجح الغضب في جمع المختلفين مؤقتاً لكنه لا يكفي وحده لبناء بديل سياسي مستقر.
لهذا فإن الاختبار الأصعب يبدأ بعد المظاهرة : هل يستطيع هذا التنسيق الاستمرار ؟ هل سيتحول إلى إطار للحوار والعمل المشترك؟ وهل سيتمكن من صياغة مطالب واضحة وأهداف قابلة للقياس بعيداً عن الاكتفاء برفض سياسات السلطة؟
والأهم من ذلك كله: هل تستطيع هذه القوى إقناع المواطنين الذين فقدوا الثقة في أجزاء من الطبقة السياسية بأن ما تقترحه ليس عودة إلى الماضي ولا إعادة إنتاج للتجارب التي خيبت آمالهم؟
إن المعارضة لا تكسب ثقة الناس لمجرد أنها تعارض السلطة بل عندما تقدم رؤية مقنعة وتحترم اختلاف المجتمع وتثبت أن لديها القدرة على تحمل المسؤولية.
السلطة أمام اختبار الاستماع
لا ينبغي قراءة المسيرة باعتبارها حكماً نهائياً على موازين القوى في تونس ولا باعتبارها دليلاً قاطعاً على اقتراب تحول سياسي حاسم. فحجم المشاركة في يوم واحد مهما كانت دلالته لا يكفي وحده لتحديد اتجاه المستقبل.
لكن تجاهل الرسائل التي حملها التحرك قد يكون خطأ سياسياً أكبر من المبالغة في تقدير نتائجه.
فالمطالب المتعلقة بالمعيشة والخدمات العمومية والعمل والحريات لا يمكن التعامل معها جميعاً باعتبارها مجرد خصومة سياسية. وحتى حين تختلف السلطة مع الجهات المنظمة أو ترفض قراءتها للوضع يبقى من واجبها تقديم إجابات عملية وإتاحة المجال للحوار واحترام الحق في الاحتجاج السلمي.
وفي المقابل فإن مسؤولية المنظمات التي دعت إلى المسيرة لا تقل أهمية ان تحافظ على سلمية تحركاتها وأن تضع مطالب المواطنين في صدارة أولوياتها وألا تسمح بتحويل التنسيق الوطني إلى مجرد واجهة للتنافس الحزبي.
أما المواطن الذي يعيش بين ضغوط الحياة اليومية ووعود التغيير فلا يحتاج إلى مزيد من الشعارات بقدر ما يحتاج إلى نتائج ملموسة وضمانات واضحة.
ما الذي تقوله مظاهرة 17 أكتوبر عن تونس المقبلة؟
ربما لا تكمن الرسالة الأهم في أن آلاف التونسيين خرجوا إلى الشارع بل في أن قضايا كانت تبدو متباعدة اجتمعت في تحرك واحد لقمة العيش وحرية التعبير واستقلال القضاء والحق في التنظيم ودور الدولة الاجتماعي.
وهذا الاجتماع يضع الجميع أمام مسؤولياتهم السلطة مطالبة بإثبات قدرتها على الحكم والاستجابة والمساءلة والاتحاد العام التونسي للشغل مطالب بتحويل وزنه التاريخي إلى قوة اقتراح وحوار لا إلى تعبئة ظرفية فحسب والمعارضة مطالبة بتجاوز خلافاتها وبناء بدائل قابلة للتصديق والمجتمع المدني مطالب بحماية المساحات التي تتيح للمواطن المشاركة في الشأن العام.
لقد عرفت تونس محطات عديدة اعتقد خلالها البعض أن الشارع قادر وحده على حسم المستقبل ثم كشفت التجربة أن التغيير يحتاج إلى مؤسسات وبرامج وقيادات مسؤولة وإلى قدرة على التفاوض وإدارة الاختلاف.
ولذلك فإن مظاهرة الأمس ليست نهاية مرحلة ولا بداية مؤكدة لمرحلة أخرى إنها إشارة سياسية واجتماعية تستحق القراءة ومؤشر على أن أسئلة لم تجد إجابات كافية ما زالت حاضرة في وجدان قطاعات من التونسيين.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن نختم به:
هل ستفهم السلطة أن قوة الدولة لا تُقاس بمدى قدرتها على احتواء الاحتجاج أو تضييق مساحته بل بقدرتها على معالجة أسبابه؟ وهل سينجح الاتحاد والمنظمات الوطنية والمدنية في تحويل لحظة الالتقاء إلى مسار يفتح أفقاً جديداً أم ستعود الانقسامات لتبدد ما جمعه الشارع؟
بين سلطة مطالبة بالإنجاز ومعارضة مطالبة بالإقناع ومواطن لم يعد يحتمل تأجيل انتظاراته يبقى مستقبل تونس رهين قدرة الجميع على الانتقال من إدارة الخلاف إلى معالجة الأزمة.

التعليقات مغلقة.