أثارت مناقشة مشروع الميزانية الفرعية لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية لسنة 2026 عاصفة من الجدل والاحتجاج في أوساط العاملين في القطاع الصحي في المغرب. حيث فجر إدراج أجور الموظفين ضمن بند “المعدات والنفقات المختلفة” في وثيقة المشروع أزمة جديدة بين النقابات والوزارة الوصية، أعادت إلى الواجهة مخاوف قديمة بشأن مستقبل الوظيفة العمومية في القطاع.
عندما قدم وزير الصحة، أمين التهراوي، عرض مشروع الميزانية الفرعية للوزارة أمام لجنة القطاعات الاجتماعية بمجلس النواب يوم 4 نونبر 2025، لاحظ النقابون وجود ما وصفوه بـ”الخطأ المادي الصادم”. فقد ورد في إحدى صفحات العرض إدراج أجور مهنيي الصحة العاملين بالمجموعات الصحية الترابية ضمن فصل “المعدات والنفقات المختلفة”، وليس ضمن فصل “نفقات الموظفين” كما هو معتاد .
هذا التصنيف، الذي بدا وكأنه إجراء تقني، أثار موجة غضب عارمة. واعتبرته النقابات الصحية ناقوس خطر يشير إلى نية مبيتة للتراجع عن أحد أهم المكاسب التي تم الاتفاق عليها سابقاً، وهو مبدأ “مركزية الأجور” .
لم تنتظر النقابات الصحية طويلاً، وسارعت إلى إعلان رفضها القاطع لما حدث، معتبرة أنه “مساس بخط أحمر”.
رفض ورفض: عبرت النقابات عن استيائها العميق من هذا التصنيف. وصرح حمزة إبراهيمي، الكاتب الجهوي للنقابة الوطنية للصحة العمومية، بأنه “ليست مجرد خطأ تقني، بل هي انزلاق تشريعي وإداري خطير يمس جوهر التعاقد المؤسساتي والاجتماعي” .
مخاوف مبررة: عبر المهنيون عن مخاوفهم من أن يكون هذا التحرك خطوة أولى على طريق تفكيك صفة الموظف العمومي عن الأطر الصحية . فتحويل مصدر الأجور من الميزانية العامة للدولة (الخزينة العامة) إلى ميزانيات المجموعات الصحية الترابية قد يعرضها لتقلبات مالية ويجعلها رهينة بظروف هذه المؤسسات .
ترجمت هذه المخاوف إلى فعل على الأرض، حيث نظمت الجامعة الوطنية للصحة التابعة للاتحاد المغربي للشغل، يوم الاثنين 10 نونبر 2025، وقفات احتجاجية إنذارية بمختلف المؤسسات الصحية استمرت لمدة ساعة . ورفع المتظاهرون شعارات تطالب بالحفاظ على مركزية الأجور والوفاء بالاتفاقات الموقعة.
في مواجهة العاصفة النقابية، خرجت الوزارة الوصية بتوضيحات رسمية هدفت إلى تهدئة الأجواءففي مراسلة وجهها إلى النقابات، جدد الوزير التهراوي التأكيد على أن العرض المقدم “لا يتضمن أي تغيير أو تعديل يمس الالتزامات القانونية للوزارة تجاه مهنيي الصحة”، وأنه لا يمثل تراجعاً عن الاتفاقات المبرمة .
الاستناد إلى النصوص: استندت الوزارة في ردها إلى نصوص قانونية، مثل قانون المالية لسنة 2025 والمرسوم المتعلق بالمجموعة الصحية الترابية لجهة طنجة تطوان الحسيمة، مؤكدة أن هذه النصوص “أكدت بصريح العبارة استمرار تحمل الميزانية العامة للدولة لأجور الموظفين” مع استمرار تكفل الخزينة العامة بصرفها .
على الرغم من هذه التطمينات، ظلت النقابات متشككة. واعتبر بعض المسؤولين النقابيين، مثل عبد اللطيف أهنوش، أن تصريحات الوزير هي “رسالة سياسية” و”كلام فارغ لا يحمل أية حمولة قانونية”، مشيرين إلى أن تحويل الأجور إلى فصل المعدات “تغليط لممثلي الأمة” لتضخيم ميزانية التجهيزات .
للخروج من دائرة ردود الفعل الظرفية، من المهم فهم أن هذه الأزمة هي جزء من صراع أوسع حول مستقبل المنظومة الصحية في المغرب.
يجري القطاع الصحي حالياً عملية إصلاح هيكلية في إطار القانون الإطار 22-06، الذي يقود إلى إنشاء “المجموعات الصحية الترابية” كهيئات مستقلة . وعلى الرغم من الزيادة في ميزانية القطاع والتي بلغت 42.4 مليار درهم لعام 2026 .
تعود جذور الأزمة الحالية إلى اتفاق 23 يوليوز 2024 الذي وقعته النقابات مع الحكومة، ونص صراحة على الحفاظ على مركزية أجور مهنيي الصحة وإدماجهم في الميزانية العامة للدولة . لكن النقابات تشير إلى تأخر تنزيل بنود هذا الاتفاق، وخاصة المراسيم المتعلقة بالسنوات الاعتبارية والإطار الصحي العالي والتعويضات .

التعليقات مغلقة.