أثار التعاقد الأخير الذي أبرمه المكتب الوطني المغربي للسياحة مع مؤثر مغربي موجة واسعة من الجدل في الأوساط الإعلامية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، بعد تداول معلومات تفيد بتخصيص مبلغ مالي ضخم بمئات الملايين من السنتيمات لهذا الغرض، في إطار حملة ترويجية قيل إنها تهدف إلى استقدام يوتيوبرز ومؤثرين أفارقة للتعريف بالمغرب، تزامناً مع احتضان المملكة لنهائيات كأس أمم إفريقيا.
ولم يقتصر الجدل على حجم المبلغ المرصود فحسب، بل شمل أيضاً طريقة إبرام الصفقة وطبيعة المحتوى الذي جرى الترويج له. وتشير مصادر متطابقة إلى أن التعاقد تم خارج مسطرة طلبات العروض المعمول بها في الصفقات العمومية، ما أثار تساؤلات حول مدى احترام قواعد الشفافية وتكافؤ الفرص، خصوصاً عند الحديث عن أموال عمومية موجهة لمؤسسة يفترض فيها الالتزام الصارم بالحكامة الجيدة.
وتفاقم الانتقاد مع تداول مقاطع وصور لمحتويات وصفها الكثيرون بـ«التافهة» أو «غير المنسجمة» مع صورة المغرب دولياً. من بين هذه المشاهد، ظهر مؤثر أجنبي وهو يقوم بحركات بهلوانية داخل مدن مغربية، ما اعتبره البعض بعيداً عن العمق الثقافي والحضاري الذي تزخر به المملكة، ولا يعكس ثراء الوجهة السياحية أو أهمية الحدث القاري.
ويطرح هذا الجدل أسئلة جوهرية حول الاستراتيجية الرقمية التي يعتمدها المكتب الوطني المغربي للسياحة، والمعايير المعتمدة في اختيار الشركاء والمؤثرين، ومدى تقييم أثر هذه الحملات على صورة المغرب وجاذبيته السياحية. فالترويج الرقمي، وإن كان ضرورياً لمواكبة التحولات الحديثة، لا يمكن أن يكون مبرراً لتجاوز الضوابط القانونية أو تبديد المال العام تحت شعار «التسويق العصري».
كما أعاد الملف إلى الواجهة مسألة المراقبة والمساءلة: من يراقب هذه الصفقات؟ وما هي آليات التتبع والتقييم؟ وهل يتم قياس الأثر الحقيقي مقارنة بحجم الإنفاق؟ هذه الأسئلة تطرحها مهنيون وفاعلون، خصوصاً في سياق وطني يطالب بترشيد النفقات وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ولا يمكن تجاهل المسؤولية السياسية لوزيرة السياحة، فاطمة الزهراء عمور، باعتبارها الجهة الوصية على المكتب الوطني المغربي للسياحة والمشرفة على خياراته الاستراتيجية والتواصلية. فالمساءلة هنا تتجاوز تدبير صفقة واحدة لتشمل منظومة قرارات يفترض أن تخضع للتقنين والشفافية وربط الإنفاق بالعائد الفعلي على صورة المغرب ومصالحه السياحية.
وفي الوقت نفسه، يُحرم صحف وطنية مهنية، راكمت سنوات من التغطية الميدانية والترويج الرصين، من الاستفادة من الدعم الإعلاني للمكتب، في مفارقة تثير علامات استفهام حول معايير توزيع الميزانيات التواصلية، بينما تُفتح الأبواب أمام محتويات رقمية قصيرة الزوال لا تخضع لأي تقييم تحريري أو محاسبة فعلية، ما يزيد الإحساس بغياب العدالة في تدبير المال العام.
ويبقى هذا الجدل مؤشراً على الحاجة الماسة إلى نقاش أعمق حول حكامة التواصل المؤسساتي، وحدود الاستعانة بالمؤثرين، وكيفية توظيف المال العام في حملات تعكس صورة المغرب الحقيقية، بعيداً عن الارتجال ومنطق «البوز» السريع الذي قد يضر أكثر مما ينفع.

التعليقات مغلقة.