اعتبر رئيس حكومتها المحلية خوان خوسيه إمبرودا أن اليوم الذي اجتمع فيه المكتب التنفيذي للحزب الشعبي الإسباني في المدينة كان “يومًا مهمًا”، لأنه خُصص، حسب قوله، للحديث عن “الحاضر والمستقبل” الاقتصادي والسياسي للثغر المحتل.
خطاب القلق في ظل وضع جيوسياسي هش
إمبرودا عبّر عن قلقه من الوضع الدولي الراهن ومن “موقع إسبانيا داخل العالم الغربي وعلاقاتها بالولايات المتحدة وإسرائيل والاتحاد الأوروبي”، معتبرًا أن هذه التحولات تُثير مخاوف إضافية بالنسبة إلى مليلية التي “تجاور المغرب وتعيش وضعًا جيوسياسيًا هشًا”.
ولم يفوّت السياسي اليميني الفرصة لتجديد انتقاداته للمغرب، مذكّرًا بقرار الرباط إغلاق المعبر الجمركي التجاري سنة 2018، وهو القرار الذي وصفه بأنه “غيّر قواعد اللعبة كليًا في اقتصاد المدينة”، على حد تعبيره. وأضاف بأسلوب لا يخلو من مرارة أن “مليلية عاشت لعقود من التجارة مع المغرب، لكن هذا النموذج انتهى، واضطررنا إلى إعادة اختراع أنفسنا”.
وأوضح أن سلطاته المحلية تعمل حاليًا على “ثلاثة محاور تنموية جديدة” تهدف، كما يقول، إلى خلق “اقتصاد مستدام غير تابع للمحيط الجغرافي”، مضيفًا أن أي استقلال اقتصادي عن المغرب سيكون بمثابة “قوة وضمان للاستقرار والطمأنينة”، في إشارة واضحة إلى رغبة مليلية في التحرر من التبعية الاقتصادية لمدن الشمال المغربي التي كانت تشكل رئتها التجارية لسنوات طويلة.
ومع ذلك، لم يُخفِ إمبرودا تذمّره من ضعف دعم الحكومة المركزية في مدريد، قائلاً إنه كان يتمنى أن “تدعمنا الإدارة المركزية بشكل أوضح وأكثر جرأة”، وأن تكون للدولة “حضور أقوى” في مليلية، لكنه عبّر في الوقت ذاته عن “إيمانه بالمستقبل” وثقته بأن “الأمور تسير في الاتجاه الصحيح”.
وختم المسؤول الإسباني حديثه بالتأكيد على أن “أسس التنمية محددة وواضحة”، لكنه أقرّ بأن المدينة تحتاج إلى “مزيد من الوقود حتى تسير عجلة التنمية”، في اعترافٍ غير مباشر بحالة الركود الاقتصادي التي تضرب مليلية منذ أن أوقفت الرباط نهائيًا نشاط التهريب المعيشي وأغلقت المعابر التجارية، ما جعل المدينة تدفع ثمن سنوات طويلة من اعتمادها المفرط على الاقتصاد الرمادي مع المغرب.
ويبدو أن هذا الإغلاق التجاري ليس الأول من نوعه، حيث أفادت مصادر إعلامية أن المغرب أغلق “حتى إشعار آخر” المعبر التجاري مع مليلية في 8 يوليو 2025، عبر رسالة رسمية.
قراءة في الخلفيات السياسية والاقتصادية
في تحليله للوضع، يرى سعيد إدى حسن، محلل سياسي باحث بجامعة كومبولوتنسي بمدريد، أن “تصريحات رئيس مليلية تندرج في إطار التدافع السياسي الذي تشهده الساحة السياسية الإسبانية في الوقت الحالي قبيل محاولة رئيس الحزب الشعبي تشكيل حكومة جديدة”، مشيرًا إلى أن “هذه المحاولة من المؤكد أنها ستبوء بالفشل، لعدم توفر الحزب المذكور وحليفه حزب فوكس على الأغلبية داخل البرلمان”.
من جهته، أورد عبد العالي الباروكي، أستاذ جامعي مختص في العلاقات المغربية الإسبانية، أن “تصريحات السياسي الشعبي خوان خوسيه إمبرودا تجد تفسيرا لها في الركود الاقتصادي الذي تعرفه مدينة مليلية بعد تعليق الحركة التجارية على الحدود”، مشيرا إلى أن “ما صرح به المسؤول الإسباني لا يعدو أن يكون محاولة لإثارة الانتباه إلى الوضع الاقتصادي بالمدينة وحلحلة وضعها الراهن”.
استراتيجية مغربية لتعزيز السيادة الاقتصادية
في المقابل، تظهر الخطوات المغربية كجزء من استراتيجية أوسع لتعزيز السيادة الاقتصادية، حيث أعلن المغرب مؤخراً عن شرط جديد لفتح المعابر الجمركية مع مدينة مليلية المحتلة يتطلب أن تحمل جميع السلع القادمة من المدينة عبارة “صنع في مليلية”، وهو ما يراه البعض خطوة هامة نحو تعزيز سيادة المغرب الاقتصادية على هذه المنطقة المتنازع عليها.
هذا القرار يشكل تغييرًا كبيرًا في العلاقات الاقتصادية بين المغرب ومدينة مليلية المحتلة، ويعكس جهود الرباط في تعزيز التكامل بين مدنها ومناطقها الاقتصادية. فهو ليس مجرد إجراء اقتصادي، بل يهدف إلى ربط المدينة بشكل أكبر بالاقتصاد الوطني المغربي، وإعادة صياغة التعاملات التجارية عبر المعابر الحدودية.
تكشف تصريحات خوان خوسيه إمبرودا، رئيس حكومة مليلية المحتلة، عن أزمة هوية اقتصادية وسياسية يعيشها الثغر منذ أن قررت الرباط بوعيٍ سياديٍ إعادة ضبط حدودها ووقف نزيف التهريب المعيشي الذي كان يُثري اقتصادًا هشًّا خارج القانون.
فما يسميه المسؤول الإسباني “تغييرًا لقواعد اللعبة” لم يكن سوى استعادة المغرب لزمام سيادته الاقتصادية والأمنية، ضمن رؤية تنموية جديدة تربط الازدهار بالمشروعية والاستدامة لا بالاعتماد على اقتصاد رمادي مفروض من الخارج.
وفي الوقت الذي تبحث فيه مليلية عن “وقودٍ جديد” لتحريك عجلة اقتصادها، يبدو أن المغرب ماضٍ بثقة في بناء نموذجٍ تنموي متوازن يجعل من ضبط الحدود رافعة للكرامة الوطنية والتنمية المحلية، لا مصدرًا للأزمات لدى الجار الشمالي الذي لم يستوعب بعد أن زمن الامتيازات المجانية قد ولّى.

التعليقات مغلقة.