صوّت مجلس الشيوخ الأمريكي مساء الأحد على خطوة إجرائية تمهد الطريق لإنهاء هذه الأزمة غير المسبوقة، والتي خلّفت وفقاً للتقديرات خسائر اقتصادية إجمالية بلغت 55 مليار دولار، وسحبت أسبوعياً نحو 1.7 مليار دولار من دخل الأسر مع تعليق رواتب مئات الآلاف من الموظفين الفيدراليين.
يأتي هذا التطور بعد مواجهة حادة في الكونغرس بين الجمهوريين الساعين إلى خفض كبير في الإنفاق وربط التمويل بتعديلات على التزامات “أوباما كير”، والديمقراطيين المتمسكين بتمويل كامل دون شروط سياسية. ورغم أن جزءاً كبيراً من الخسائر سيعوض بعد استئناف عمل الحكومة، فإن التقديرات تشير إلى خسارة دائمة في الناتج القومي تقارب 11 مليار دولار، إضافة إلى نحو 3 مليارات دولار كتكلفة مباشرة لعمليات الإغلاق وإعادة التشغيل.
تُظهر قراءات الربع الأخير من العام الحجم الهائل للخسائر التي مني بها الاقتصاد الأمريكي بلغ حجم الخسائر في الناتج المحلي الإجمالي نحو 55 مليار دولار، مع تباطؤ النمو بنحو 0.2% خلال هذا الربع.
من إجمالي الخسائر، من المتوقع أن تكون 11 مليار دولار خسارة دائمة في الناتج القومي، لن يعوضها انتعاش الاقتصاد لاحقاً.
تدفق الأموال: سحب تعليق رواتب نحو 800 ألف موظف فدرالي ما يقارب 1.7 مليار دولار أسبوعياً من دخل الأسر، مما أدى إلى تراجع حاد في الثقة والإنفاق الاستهلاكي.
كان قطاع الطيران على موعد مع فوضى حقيقية، حيث فرضت هيئة الطيران الفيدرالية خفضاً تدريجياً في وتيرة الرحلات بدأ عند 4% وارتفع إلى 10% لضمان السلامة في ظل نقص المراقبين الجويين العاملين بلا أجر .
رحلة واحدة من كل عشر رحلات: أدى هذا القرار إلى إلغاء آلاف الرحلات، حيث سجل يوم 6 نوفمبر/تشرين الثاني إلغاء نحو 2950 رحلة وتأخير 10 آلاف و800 رحلة خلال 24 ساعة فقط.
خسائر مليارية: قُدرت خسائر قطاع السفر والسياحة بنحو مليار دولار أسبوعياً في إنفاق السفر.
السياحة الطبيعية: تكبدت المتنزهات الوطنية والمجتمعات المحيطة بها خسائر يومية تقدر بنحو 80 مليون دولار نتيجة تراجع الزوار بنحو 425 ألف زائر يومياً وإغلاق المتاحف الفيدرالية.
قطاع الضيافة: قدّرت خسائر الفنادق بنحو 650 مليون دولار خلال الأسابيع الأولى، وبنحو 31 مليون دولار يومياً من الحجوزات المفقودة.
شلل الزراعة وتهديد الأمن الغذائي
لم يسلم قطاع الزراعة من تداعيات هذا الشلل، حيث أدى إغلاق نحو نصف مكاتب وزارة الزراعة وتسريح ثلثي موظفي وكالة خدمات المزارع إلى تجميد القروض والدعم وتعطيل برامج التعويض، إضافة إلى توقف نشر بيانات السوق الزراعية التي يعتمد عليها المزارعون في تخطيط إنتاجهم وتسويقه .
أزمة إنسانية: تصاعدت المخاوف بشأن الأمن الغذائي لأكثر من 40 مليون أميركي يعتمدون على برامج التغذية الفيدرالية.
رغم صدور أمر قضائي باستمرار صرف الإعانات، فإن تسريح 98% من موظفي إدارة برامج التغذية تسبب في قلق واسع بين الأسر محدودة الدخل وأثقل كاهل بنوك الطعام والجمعيات الخيرية التي تكافح لسد الفجوة.
امتدت تداعيات الإغلاق إلى شريان الاقتصاد الحديث، حيث توقفت عمليات المراجعة والموافقات التنظيمية، مما أدى إلى توقف مراجعة طلبات الطرح العام الأولي لشركات التكنولوجيا نتيجة تقليص عمل اللجان المختصة.
تجمد الأبحاث: أوقفت المؤسسة الوطنية للعلوم إصدار مئات المنح البحثية الجديدة، وتوقفت المعاهد الوطنية للصحة عن قبول مرضى جدد في التجارب السريرية الحيوية.
تأثر تدفق العقود الفيدرالية التي تضخ نحو 13 مليار دولار أسبوعياً، مما أثر على سيولة شركات التقنية الصغيرة.
لا تقتصر تكلفة الإغلاق على الأرقام المادية فحسب، بل تمتد إلى ما هو أعمق؛ إنها ثقة المواطن بمؤسسات دولته وروح الموظف المعنوية.
يرى الباحث دونالد موينهين، خبير السياسات العامة بجامعة ميشيغان، أن الإغلاق ترك “ندبة إضافية داخل الجهاز البيروقراطي”، مؤكداً أن “هذا العام كان الأصعب على العاملين في الحكومة الفيدرالية” .
وأضاف موينهين أن “استغلال الإغلاق لاستهداف وكالات توصف بأنها ديمقراطية أضعف ثقة الموظفين والمواطنين بمؤسسات الدولة”، محذراً من أن الأبحاث تشير إلى ارتفاع معدلات الاستقالات بعد كل إغلاق، مرجحاً أن “الموجة المقبلة ستكون الأكبر والأسوأ” .
لقد كشف هذا الإغلاق الحكومي، الأطول في التاريخ الأمريكي، عن هشاشة في المنظومة السياسية تجاوزت الخلافات الحزبية لتطال حياة الملايين من الأمريكيين، وتؤثر على قطاعات اقتصادية حيوية من الطيران إلى الابتكار. بينما تلوح في الأفق أخيراً بوادر انفراجة، تبقى التساؤلات قائمة حول مدى التعافي الكامل من هذه الصدمة، والضمانات التي ستُقدم لمنع تكرار سيناريو يجعل من المواطن وموظف الخدمة المدنية رهينة لصراعات السياسيين.

التعليقات مغلقة.