أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

رهانات الدخول السياسي: أي أولويات للمؤسسات؟

بقلم  الا ستاد  محمد  عيدني  فاس

مع انطلاق الدخول السياسي والاجتماعي الجديد، يجد المشهد المؤسساتي في المغرب نفسه أمام محطة مفصلية تتقاطع فيها مجموعة من التحديات الاقتصادية والاجتماعية، في وقت ترتفع فيه انتظارات المواطنين وتتزايد الحاجة إلى حلول عملية وقرارات أكثر نجاعة وفعالية.

فالمرحلة الحالية لا ينبغي أن تُختزل في مجرد استئناف الجلسات البرلمانية أو استعادة الإيقاع المعتاد للعمل الحكومي، وإنما تمثل فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، وتسريع تنفيذ الإصلاحات، وتعزيز التنسيق بين مختلف المؤسسات، بما يجعل المواطن في صلب السياسات العمومية.

وتفرض التطورات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة على الحكومة والبرلمان اعتماد مقاربة استباقية قادرة على استشراف التحديات، بدل الاكتفاء بالتفاعل معها بعد تفاقمها، خصوصاً في الملفات المرتبطة بالقدرة الشرائية، والتشغيل، والاستثمار، والصحة، والتعليم، والحماية الاجتماعية، فضلاً عن الأمنين المائي والطاقي.

القدرة الشرائية.. أولوية تتصدر انتظارات المواطنين

يأتي الحفاظ على القدرة الشرائية للأسر المغربية في مقدمة الملفات التي تفرض نفسها بقوة على أجندة الدخول السياسي والاجتماعي الجديد.

فارتفاع تكاليف المعيشة وتقلبات الأسعار، إلى جانب تداعيات الأوضاع الاقتصادية الدولية، جعلت موضوع القدرة الشرائية من أكثر القضايا ارتباطاً بالحياة اليومية للمواطنين، خصوصاً بالنسبة إلى الأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط.

ومن هذا المنطلق، لم يعد كافياً الاكتفاء بإجراءات ظرفية لمعالجة ارتفاع الأسعار، بل تبرز الحاجة إلى اعتماد سياسات اقتصادية متكاملة تساهم في تعزيز الإنتاج الوطني، وتشجيع الاستثمار المنتج، ودعم المقاولات، وخلق فرص الشغل، وتحسين سلاسل التوزيع، وتعزيز المنافسة والحد من الممارسات التي يمكن أن تضر بالمستهلك.

كما أن الحفاظ على القدرة الشرائية لا يرتبط بالأسعار وحدها، وإنما يرتبط أيضاً بمستوى الدخل وفرص العمل وجودة الخدمات العمومية، وهو ما يجعل هذا الملف في صلب المعادلة الاقتصادية والاجتماعية.

دعم الإنتاج الوطني وتشجيع الاستثمار

يشكل الاستثمار أحد المحركات الأساسية للنمو الاقتصادي وخلق فرص الشغل، وهو ما يجعل مواصلة تحسين مناخ الأعمال وتسهيل الإجراءات أمام المستثمرين والمقاولات من الأولويات المطروحة خلال المرحلة المقبلة.

ويظل الرهان قائماً على الانتقال من الاستثمار الذي يركز فقط على حجم المشاريع إلى الاستثمار الذي يحقق أثراً اقتصادياً واجتماعياً ملموساً، من خلال خلق فرص عمل مستدامة، ودعم الاقتصاد المحلي والجهوي، وتعزيز القيمة المضافة الوطنية.

كما أن تشجيع المقاولات الصغيرة والمتوسطة والمقاولات الناشئة يظل عاملاً أساسياً في تنشيط الدورة الاقتصادية، خصوصاً أن هذه المقاولات تمثل جزءاً مهماً من النسيج الاقتصادي الوطني.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية تبسيط المساطر، وتسهيل الولوج إلى التمويل، وتقوية المواكبة، وتحسين شروط المنافسة، بما يسمح للمقاولة الوطنية بالاستمرار والنمو وخلق المزيد من فرص الشغل.

الأمن المائي.. تحدٍّ استراتيجي للمغرب

إلى جانب الملفات الاقتصادية والاجتماعية، يفرض الأمن المائي نفسه باعتباره واحداً من أبرز التحديات الاستراتيجية التي تواجه المغرب.

فالتغيرات المناخية وتوالي فترات الجفاف وتراجع الموارد المائية تفرض مواصلة الجهود الرامية إلى تأمين حاجيات المواطنين والقطاعات الاقتصادية والفلاحية من المياه.

وفي هذا الإطار، تكتسي مشاريع تحلية مياه البحر، وإنجاز السدود والمنشآت المائية، وإعادة استعمال المياه العادمة، وترشيد استهلاك المياه، أهمية كبيرة في مواجهة تداعيات الإجهاد المائي.

غير أن الرهان لا يتوقف عند إطلاق المشاريع، وإنما يرتبط أيضاً بمدى نجاعتها وسرعة تنفيذها وقدرتها على تحقيق النتائج المنتظرة، مع ضرورة تعزيز الحكامة في تدبير الموارد المائية وربط الاستثمارات العمومية بأثرها الفعلي على المواطنين والمجالات الترابية.

الأمن الطاقي والانتقال نحو اقتصاد أكثر استدامة

لا يقل الأمن الطاقي أهمية عن الأمن المائي، في ظل التقلبات التي تعرفها أسواق الطاقة العالمية وتأثيرها المباشر على الاقتصادات الوطنية.

ويفرض هذا الوضع مواصلة الاستثمار في الطاقات المتجددة، وتطوير البنيات التحتية، وتحسين النجاعة الطاقية، وتقليص أثر تقلبات الأسعار العالمية على الاقتصاد الوطني والأسر.

كما يظل الانتقال الطاقي فرصة لتعزيز الاستثمار وخلق صناعات جديدة وفرص شغل مرتبطة بالاقتصاد الأخضر، بما ينسجم مع التحولات الاقتصادية العالمية.

الحماية الاجتماعية.. من تنزيل الإصلاح إلى ضمان الفعالية

على المستوى الاجتماعي، يكتسي ورش الحماية الاجتماعية أهمية بالغة، باعتباره أحد أبرز الأوراش الإصلاحية التي تستهدف تعزيز حماية المواطنين وتحسين قدرتهم على مواجهة المخاطر الاجتماعية.

غير أن نجاح هذا الورش لا يرتبط فقط بتوسيع قاعدة المستفيدين، وإنما بمدى جودة الخدمات وفعالية آليات الاستهداف واستدامة التمويل.

ويظل التحدي الأساسي هو ضمان انتقال الإصلاح من مستوى النصوص والبرامج إلى أثر ملموس يشعر به المواطن، خصوصاً في ما يتعلق بالخدمات الصحية والاجتماعية.

كما أن استدامة منظومة الحماية الاجتماعية تقتضي تعبئة الموارد الضرورية، وتحسين الحكامة، وضمان التنسيق بين مختلف المتدخلين، مع مواصلة تقييم البرامج وقياس أثرها الاجتماعي والاقتصادي.

الصحة والتعليم.. جوهر الرهان الاجتماعي

إذا كانت الحماية الاجتماعية تشكل إحدى ركائز الدولة الاجتماعية، فإن إصلاح قطاعي الصحة والتعليم يظل من أهم الشروط لتحقيق العدالة الاجتماعية وتعزيز تكافؤ الفرص.

فالمواطن لا يقيس نجاح الإصلاحات من خلال الأرقام والمؤشرات فقط، وإنما من خلال تجربته اليومية داخل المستشفى أو المؤسسة التعليمية، ومدى حصوله على خدمات عمومية ذات جودة وفي ظروف لائقة.

ومن هنا، تبرز أهمية تحسين البنيات الصحية، وتعزيز الموارد البشرية، وتقليص الفوارق المجالية في الولوج إلى الخدمات الصحية.

كما يظل إصلاح التعليم ورشاً استراتيجياً يتطلب الرفع من جودة التعلمات، وتحسين ظروف اشتغال الأطر التعليمية، ومحاربة الهدر المدرسي، وتعزيز تكافؤ الفرص بين مختلف المناطق والفئات الاجتماعية.

فالاستثمار في الإنسان يبقى في نهاية المطاف الاستثمار الأكثر استدامة، وأي مشروع تنموي لا يمكن أن يحقق أهدافه دون منظومة صحية وتعليمية فعالة.

التشغيل.. هاجس الشباب وأحد مفاتيح الاستقرار الاجتماعي

يحتل التشغيل موقعاً مركزياً في سلم الأولويات، خصوصاً في ظل تطلعات الشباب المغربي إلى فرص مهنية مستقرة وآفاق واضحة للاندماج الاقتصادي والاجتماعي.

وتفرض هذه الوضعية مواصلة دعم الاستثمار المنتج، وربط التكوين بحاجيات سوق الشغل، وتشجيع ريادة الأعمال، ودعم المقاولات التي تساهم في خلق فرص عمل مستدامة.

كما أن معالجة البطالة لا ينبغي أن تقتصر على توفير فرص مؤقتة، وإنما يجب أن ترتكز على بناء اقتصاد قادر على خلق وظائف ذات قيمة مضافة، وتحسين قابلية الشباب للاندماج في سوق العمل.

ومن هنا، تبرز أهمية تعزيز التكوين المهني، وتشجيع المهارات الرقمية، ودعم الاقتصاد الجديد والمهن المرتبطة بالتكنولوجيا والطاقات المتجددة والصناعات الحديثة.

البرلمان.. دور تشريعي ورقابي ينتظر مزيداً من النجاعة

من جهته، يتحمل البرلمان، بغرفتيه، مسؤولية أساسية خلال الدخول السياسي الجديد، سواء على المستوى التشريعي أو الرقابي.

فالتحديات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة تتطلب مؤسسة تشريعية أكثر فعالية في مناقشة القوانين، وأكثر قدرة على تقييم السياسات العمومية ومساءلة الحكومة حول نتائجها.

ولا يتعلق الأمر فقط بعدد النصوص التي تتم المصادقة عليها، وإنما بجودة التشريع ومدى استجابته للتحولات التي يعرفها المجتمع والاقتصاد.

كما تبرز أهمية تعزيز العمل داخل اللجان البرلمانية، والاستماع إلى الخبراء والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، وفتح نقاشات أكثر عمقاً حول القضايا التي تهم المواطنين بشكل مباشر.

قوانين المالية والإصلاحات الاقتصادية على طاولة البرلمان

يكتسي النقاش البرلماني حول القوانين المالية أهمية خاصة، باعتبار أن الميزانية تمثل الأداة الأساسية لترجمة الاختيارات الحكومية إلى سياسات وبرامج قابلة للتنفيذ.

ومن ثم، فإن النقاش حول الميزانية ينبغي أن يتجاوز منطق الأرقام إلى تقييم الأولويات والنتائج المنتظرة، ومدى قدرة الاعتمادات المرصودة على الاستجابة للحاجيات الاجتماعية والاقتصادية.

كما أن إصلاح منظومة الاستثمار ومحاربة الممارسات غير القانونية وتخليق الحياة العامة تظل ملفات تحتاج إلى تشريع فعال ورقابة مؤسساتية مستمرة.

فالبرلمان ليس مجرد مؤسسة للمصادقة على القوانين، وإنما فضاء للنقاش العمومي ومساءلة السياسات الحكومية والدفاع عن مصالح المواطنين.

الحكامة ومحاربة الفساد.. شرط لتعزيز الثقة

من بين الرهانات الأساسية كذلك تعزيز الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، باعتبارهما من المقومات الأساسية لبناء الثقة في المؤسسات.

ففعالية السياسات العمومية لا ترتبط فقط بوجود البرامج والمخططات، وإنما أيضاً بكيفية تنفيذها، وبمدى احترام قواعد الشفافية والنجاعة وربط المسؤولية بالنتائج.

وتظل محاربة الفساد وتخليق الحياة العامة وتعزيز الشفافية من الملفات التي تستوجب استمرار الجهود المؤسساتية، بما يساهم في حماية المال العام وتحسين جودة الخدمات وتعزيز ثقة المواطنين.

الحكومة والبرلمان أمام اختبار الثقة

في ظل هذه الملفات المتعددة، يبدو الدخول السياسي والاجتماعي الجديد بمثابة اختبار حقيقي لقدرة المؤسسات على الاستجابة للتحديات المطروحة.

فالحكومة مطالبة بتسريع تنفيذ الإصلاحات وتحسين أثر السياسات العمومية، بينما يظل البرلمان مطالباً بتعزيز أدواره التشريعية والرقابية، وجعل النقاش المؤسساتي أكثر ارتباطاً بانشغالات المواطنين.

كما أن المرحلة تقتضي تعزيز التنسيق بين مختلف المؤسسات والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، واعتماد مقاربة تقوم على الحوار والتشارك والإنصات.

المواطن في صلب السياسات العمومية

في نهاية المطاف، يبقى المواطن هو المعيار الحقيقي لقياس نجاح أي سياسة عمومية.

فالأرقام والمؤشرات تكتسي أهميتها، لكنها لا تعكس وحدها حقيقة التحولات الاجتماعية والاقتصادية. والنجاح الحقيقي للإصلاح يقاس بمدى انعكاسه على حياة الأسر، وتحسين جودة الخدمات، وتوفير فرص الشغل، وتعزيز الأمن الاقتصادي والاجتماعي.

ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تتطلب جرأة في اتخاذ القرارات، ووضوحاً في تحديد الأولويات، وفعالية في التنفيذ، ومواكبة مستمرة للنتائج.

خاتمة: مرحلة جديدة تتطلب قرارات أكثر جرأة

إن الدخول السياسي والاجتماعي الجديد بالمغرب ليس مجرد محطة في الأجندة المؤسساتية، بل يمثل فرصة لإعادة ترتيب الأولويات وتعزيز الثقة في العمل السياسي والمؤسساتي.

وتبقى ملفات القدرة الشرائية، والاستثمار والتشغيل، والحماية الاجتماعية، والصحة والتعليم، والأمن المائي والطاقي، والحكامة، من أبرز التحديات التي تتطلب حلولاً عملية وسياسات مستدامة.

إن المغرب اليوم لا يحتاج إلى تأجيل الإصلاحات أو الاكتفاء بالتدابير الظرفية، وإنما يحتاج إلى تسريع الأوراش ذات الأولوية، ورفع نجاعة المؤسسات، وربط السياسات العمومية بنتائج ملموسة.

وفي هذا السياق، فإن نجاح الحكومة والبرلمان في المرحلة المقبلة سيظل مرتبطاً بقدرتهما على جعل المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة، وتحويل التحديات إلى فرص، والإصلاحات إلى نتائج، والخطاب السياسي إلى أثر حقيقي يلمسه المواطن في حياته اليومية.

فالمستقبل لا يُبنى فقط بالبرامج والتصورات، وإنما بجودة القرارات وسرعة تنفيذها وقدرتها على الاستجابة الفعلية لانتظارات المجتمع.

التعليقات مغلقة.