أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

إصلاح مدونة الأسرة: نحو توازن رصين بين الثوابت والتحولات الحقوقية

بقلم الأستاذ: محمد عيدني

يواصل ورش إصلاح مدونة الأسرة تصدر واجهة النقاش العمومي في المغرب، باعتباره قضية مجتمعية مصيرية تهم حاضر الأسرة المغربية ومستقبلها. ومع تعدد المقاربات وتداخل الرؤى بين الفاعلين الحقوقيين، والعلماء، والسياسيين، يبرز التحدي الأساسي في إيجاد صيغة متوازنة تضمن إنصاف المرأة وحماية حقوق الطفل، وفي نفس الوقت تحافظ على الثوابت الدينية والروحية للأمة المستمدة من الشريعة الإسلامية السمحة.

مرجعية الشريعة والدستور: إطار ناظم

لا يمكن لأي نقاش جاد حول تعديل مدونة الأسرة أن ينفصل عن إطاره الدستوري والمرجعي الواضح. فالشريعة الإسلامية، بما تتوفر عليه من مرونة ومقاصد سامية تروم حفظ العرض والنفس والمال والنسل، تشكل الموجه الأساسي للتشريع الأسري بالمملكة. وفي السياق ذاته، كرّس دستور 2011 مكانة الأسرة باعتبارها الخلية الأساسية للمجتمع، مما يفرض أن تكون التعديلات المنتظرة منسجمة مع روح الدستور الذي يوازن بين الهوية الإسلامية للمغرب والانفتاح على قيم الكونية، المساواة، وحقوق الإنسان.

التحولات المجتمعية وواقع الممارسة

تأتي مطالبات الإصلاح استجابةً للتحولات العمومية والعميقة التي عرفها المجتمع المغربي؛ بدءاً من تزايد الأسر التي تعيلها النساء، مروراً بالإكراهات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة، وصولاً إلى ظهور إشكالات عملية مرتبطة بتطبيق مدونة 2004 (مثل قضايا زواج القاصرات، وتدبير الأموال المكتسبة أثناء الزواج، ومسطرة التطليق، والولاية الشرعية). هذه التحديات الميدانية جعلت النصوص القانونية الحالية في حاجة ماسة إلى قراءة نقدية وتعديلات دقيقة تعالج الاختلالات وتسد الثغرات، دون المساس بجوهر الاستقرار الأسري.

مقاربة توافقية بعيداً عن الاستقطاب

يقتضي النجاح في هذا الورش الإصلاحي الكبير تجنب الانزلاق نحو الاستقطاب الحاد بين خطاب محافظ يرفض أي مراجعة، وخطاب متطير يتجاهل الخصوصية الثقافية والدينية للمجتمع. فالرهان اليوم يكمن في بناء توافق وطني واسع يقوده أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس، بصفته الضامن لحقوق الأفراد والجماعات، وباعتباره المرجع الأعلى للبت في القضايا الدينية والمجتمعية الكبرى. إن الحوار الهادئ والمؤسساتي، المشرك لكل القوى الحية من مجتمع مدني، وباحثين، وقضاة، وعلماء، يظل الكفيل ببلورة مدونة عصرية تحفظ كرامة المرأة، وتصون حقوق الرجل، وتضع مصلحة الأطفال الفضلى في صدارة الأولويات.

إن إصلاح مدونة الأسرة يتجاوز تعديل النصوص القانونية إلى هندسة اجتماعية وقيمية لمستقبل الأسرة. وحين تتقاطع مقاصد الشريعة الإسلامية مع متطلبات العصر وروح الدستور، يثبت المغرب قدرته على إنتاج نماذج إصلاحية متفردة ترتكز على الاجتهاد المستنير وتضمن العدل لجميع أفراد الأسرة في ظل السلم الاجتماعي.

التعليقات مغلقة.