لم تعد ظاهرة التسول في المغرب مجرد حالات فردية مرتبطة بالفقر أو الحاجة المؤقتة، بل أصبحت في كثير من الأماكن ظاهرة اجتماعية لافتة للنظر تتكرر يومياً في الشوارع والأسواق والمقاهي وأمام المساجد وحتى داخلها. فقد أصبح المواطن يلاحظ انتشار المتسولين بشكل كبير في مختلف المدن، حيث يقف البعض عند إشارات المرور، ويتجول آخرون بين الطاولات في المقاهي، بينما ينتظر آخرون خروج الناس من المساجد لطلب الصدقات. هذه الظاهرة أصبحت تثير تساؤلات كثيرة حول أسبابها الحقيقية وحول دور المجتمع والسلطات في التعامل معها.
في كثير من الحالات يظهر أن بعض المتسولين ليسوا بالضرورة أشخاصاً يعيشون في فقر مدقع أو عجز حقيقي، بل أصبح التسول بالنسبة للبعض نشاطاً يومياً يمارس بطريقة منظمة أو شبه منظمة. فهناك من يرتدي ملابس عادية ويبدو في صحة جيدة، ومع ذلك يطلب المال من الناس بحجج مختلفة، مرة بدعوى الحاجة إلى كراء المنزل، ومرة بدعوى شراء الطعام، وأحياناً بحجة نقص المال للسفر أو العلاج. هذه القصص تتكرر بشكل يومي حتى أصبح الكثير من المواطنين يشعرون بالحيرة بين الرغبة في مساعدة المحتاج الحقيقي وبين الخوف من الوقوع ضحية للخداع أو الاستغلال.
كما أن ما يزيد من تعقيد الظاهرة هو وجود متسولين في أماكن يفترض أن تكون فضاءات للعبادة والهدوء مثل المساجد. فبعض الأشخاص ينتظرون انتهاء الصلاة أو يتحركون بين المصلين طلباً للصدقة، وهو أمر يزعج الكثير من الناس ويطرح تساؤلات حول كيفية تنظيم هذه الفضاءات واحترام قدسيتها. كما أن وجود أطفال أو نساء أو أشخاص في صحة جيدة يمارسون التسول بشكل متكرر يعطي انطباعاً لدى البعض بأن الأمر تحول من حالة اجتماعية مؤقتة إلى نشاط يعتمد عليه البعض كمصدر دخل دائم.
ولا يمكن إنكار أن المغرب، مثل العديد من الدول، يواجه تحديات اجتماعية واقتصادية قد تدفع بعض الفئات إلى طلب المساعدة من الآخرين، خصوصاً في حالات المرض أو الإعاقة أو الفقر الشديد. لكن المشكلة تظهر عندما يتحول التسول إلى سلوك احترافي يعتمد على استدرار عطف الناس عبر قصص متكررة أو معلومات غير دقيقة. في هذه الحالة يصبح من الصعب التمييز بين المحتاج الحقيقي وبين من يستغل تعاطف المجتمع لتحقيق مكاسب سهلة.
كما أن انتشار المتسولين في أماكن عامة وسياحية قد يؤثر أيضاً على صورة المدن المغربية لدى الزوار والسياح. فالمشهد الذي يتكرر أمام الأسواق أو المقاهي أو بالقرب من المعالم الدينية قد يعطي انطباعاً سلبياً عن الوضع الاجتماعي، رغم أن المجتمع المغربي معروف تاريخياً بروح التضامن والتكافل ومساعدة المحتاجين.
إن التعامل مع هذه الظاهرة يتطلب رؤية متوازنة تجمع بين البعد الاجتماعي والبعد التنظيمي. فمن جهة يجب حماية الفئات الهشة التي تعاني فعلاً من الفقر أو المرض أو العجز، وتوفير برامج دعم اجتماعي فعالة تساعدها على العيش بكرامة دون الحاجة إلى التسول. ومن جهة أخرى ينبغي التصدي لظاهرة التسول الاحترافي الذي يعتمد على الخداع أو استغلال الأطفال أو استغلال تعاطف الناس.
كما أن دور المجتمع مهم أيضاً في هذا المجال، فالتضامن مع المحتاجين قيمة إنسانية نبيلة، لكن من المهم أيضاً تشجيع أساليب المساعدة المنظمة مثل دعم الجمعيات الخيرية أو المبادرات الاجتماعية التي تعمل بشكل منظم وتصل إلى الأشخاص الأكثر حاجة.
إن الحفاظ على صورة المجتمع وتنظيم الفضاءات العامة مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع والمؤسسات الاجتماعية. فالمغرب يمتلك تقاليد قوية في التضامن والتكافل، لكن المرحلة الحالية تتطلب أيضاً آليات أكثر تنظيماً لضمان أن تصل المساعدة إلى من يستحقها فعلاً، وفي الوقت نفسه الحد من الممارسات التي قد تشوه صورة المدن أو تستغل عطف الناس. تبقى معالجة ظاهرة التسول جزءاً من نقاش أوسع حول العدالة الاجتماعية والفرص الاقتصادية وكرامة الإنسان. فالمجتمع الذي يوفر فرص العمل والدعم للفئات الهشة ويضع آليات واضحة للمساعدة الاجتماعية سيكون أكثر قدرة على تقليص هذه الظاهرة والحفاظ على توازن بين الرحمة الاجتماعية والنظام العام.

التعليقات مغلقة.