أكدت وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح أن التحكم في الأسعار الدولية “خارج قدرة أي دولة”، معتبرة أن النقاش حول غلاء المعيشة يجب ألا يتحول إلى “ورقة للمزايدات السياسية”، في إشارة إلى الانتقادات البرلمانية المتزايدة للأوضاع الاقتصادية.
وخلال جلسة الأسئلة الشفوية الأسبوعية بمجلس المستشارين، شددت فتاح على أن الدولة “المسؤولة” هي التي تتدخل لحماية المستهلك عبر آليات متعددة، من بينها الدعم المباشر، ومراقبة الأسواق، ورفع الأجور، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية، مؤكدة أن الحكومة تعمل على حزمة إجراءات تستهدف التخفيف من آثار التقلبات العالمية.
وأقرت الوزيرة في المقابل بوجود معاناة لدى المواطنين مع غلاء الأسعار، لكنها دعت إلى وضع هذا الوضع ضمن سياقه الدولي، مشيرة إلى أن “النقاش حول ارتفاع الأسعار عالمي ولا توجد أي دولة بمعزل عنه أو بأسعار منخفضة بشكل عام”. وأضافت أن الحكومة “لم تدّع يوما أنها حلت المشكلة بشكل نهائي”، معتبرة أن السياسات المعتمدة تسير في اتجاه التوازن بين التدخل الاجتماعي والإصلاحات الهيكلية.
وفي سياق حديثها عن الخيارات الاستراتيجية، أكدت فتاح أن التوجه نحو الطاقات المتجددة أصبح “خيارا لا رجعة فيه” بالنظر إلى تقلبات الأسواق الدولية للطاقة، مشيرة إلى أن الاعتماد على الغاز والبترول يظل محدودا، حتى بالنسبة للدول المنتجة، في ظل اضطراب الأسواق العالمية. كما أبرزت أن الاستثمارات العمومية عرفت ارتفاعا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة.
وأضافت الوزيرة أن الحكومة تواصل دعم فواتير الماء والكهرباء، معتبرة أن هذا الإجراء يعكس حرص الدولة على الحفاظ على استقرار الأسعار في سياق دولي صعب، وأن المغرب “نجح نسبيا في تفادي موجات تضخم أشد” مقارنة بعدد من الدول.
وشددت فتاح على أن الحكومة اختارت توجيه الدعم نحو الفئات الاجتماعية الأكثر احتياجا، بدل تعميمه بشكل قد يضعف نجاعة السياسات العمومية، معتبرة أن الحلول قصيرة المدى غير كافية لمعالجة الاختلالات البنيوية.
في المقابل، لم يخلُ النقاش البرلماني من انتقادات حادة، حيث استند المستشار عن الفريق الحركي يونس ملال إلى معطيات للمندوبية السامية للتخطيط، تفيد بأن أكثر من 75 في المئة من الأسر المغربية تدهورت أوضاعها المعيشية خلال السنوات الأخيرة، فيما لم يعد أكثر من 90 في المئة منها قادرا على الادخار.
واعتبر ملال أن هذا الواقع ينعكس بوضوح في الأسواق، حيث يستمر ارتفاع الأسعار بالتوازي مع ضعف الأجور وارتفاع البطالة وتراجع أداء المقاولات الصغرى والمتوسطة، إضافة إلى اختلالات في سلاسل التوريد، على حد تعبيره.
كما وجه انتقادات لتباين التصريحات الحكومية بشأن ملف المضاربين والمحتكرين، متسائلا عن مدى وجود رؤية واضحة لتفعيل القوانين في هذا المجال، في ظل ما وصفه بتناقض بين تصريحات تنفي توفر معطيات دقيقة وأخرى تؤكد معرفة الحكومة بهويات المتورطين.
ودعا المستشار البرلماني إلى فتح نقاش عمومي شامل حول سياسة المحروقات والأمن الغذائي، معتبرا أن الإجراءات الحالية “غير كافية”، ومقترحا دراسة خيارات من بينها تسقيف الأسعار بشكل مؤقت، أو مراجعة السياسة الضريبية على الاستيراد، أو إعادة النظر في بعض المشاريع الكبرى المرتبطة بالطاقة والتكرير، إضافة إلى تقييم المخطط الأخضر وربط الدعم بنتائج ملموسة.
ويعكس هذا السجال المتجدد بين الحكومة والمعارضة استمرار التوتر حول تدبير ملف الغلاء في المغرب، في ظل تحديات اقتصادية داخلية وضغوط دولية متزايدة، وتباين واضح في تقييم نجاعة السياسات العمومية المتبعة للحد من تداعيات ارتفاع الأسعار على الأسر.

التعليقات مغلقة.