بقلم الأستاذ محمد عيدني – جريدة أصوات
أعادت إحالة محمد الفايد، المختص في التغذية وصاحب قناة على موقع يوتيوب، أمام وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية ببنسليمان، إلى الواجهة نقاشاً واسعاً حول حدود حرية التعبير، وطبيعة التصريحات التي قد تثير جدلاً مجتمعياً أو تضع أصحابها أمام المساءلة القضائية.
وحسب المعطيات المنشورة يوم الأربعاء 4 نونبر 2026، فقد قدمت الفرقة الوطنية للشرطة القضائية المعني بالأمر أمام النيابة العامة في حالة سراح، بعد انتهاء البحث الذي خضع له، على خلفية تصريحات اعتُبرت مسيئة لمؤسسات وثوابت دينية، في انتظار ما ستسفر عنه الإجراءات القضائية.
لكن بعيداً عن تفاصيل المسطرة القضائية، تطرح هذه القضية مجموعة من الأسئلة التي تستحق النقاش الهادئ والمسؤول: هل أصبح الاختلاف في الرأي والقناعات الشخصية كافياً لإشعال مواجهات على منصات التواصل الاجتماعي؟ وهل تحول الفضاء الرقمي إلى ساحة لتصفية الحسابات الفكرية والشخصية، أم أن الأمر يتعلق بتجاوزات تستوجب تطبيق القانون؟
لقد عرف محمد الفايد حضوراً واسعاً في الفضاء الرقمي، خصوصاً من خلال حديثه عن التغذية والأعشاب والطب البديل، وهي مواضيع استقطبت اهتمام فئات مختلفة من المجتمع. وبغض النظر عن مدى دقة بعض الآراء أو الاختلاف العلمي حولها، فإن النقاش حولها ينبغي أن يستند إلى المعرفة والأدلة العلمية، لا إلى التقديس أو التخوين أو حملات التشهير.
ومن جهة أخرى، لا يمكن تجاهل التحولات التي أحدثتها وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبح بعض الأشخاص يمتلكون جمهوراً واسعاً وتأثيراً كبيراً، وأصبح الاختلاف معهم أحياناً يتحول إلى حملات متبادلة من الانتقاد والاستفزاز والاتهامات.
وهنا تبرز إشكالية أكثر عمقاً: هل نناقش الأفكار ونرد عليها بالحجة والدليل، أم ننتقل إلى محاكمة أصحابها اجتماعياً قبل أن تقول المؤسسات القضائية كلمتها؟
إن نجاح أي شخصية في المجال الرقمي لا يمنحها حصانة من المساءلة القانونية، كما أن الاختلاف معها لا يمنح الآخرين الحق في التشهير بها أو استهدافها. فالقانون يجب أن يكون الفيصل، بعيداً عن الأحكام المسبقة والضغوط الجماهيرية.
وفي المقابل، تظل حرية التعبير حقاً أساسياً، لكنها تمارس في إطار احترام القانون وحقوق الآخرين، مع ضرورة التمييز بين النقد المشروع والإساءة التي قد يترتب عنها أثر قانوني.
القضاء المغربي هو الجهة المختصة بالحسم في هذه القضية، وليس منصات التواصل الاجتماعي أو التعليقات المتسرعة. كما أن قرينة البراءة تظل قائمة إلى حين صدور حكم قضائي نهائي.
إننا أمام اختبار حقيقي لثقافة الاختلاف في المجتمع المغربي: هل نستطيع أن نختلف دون أن نتخاصم؟ وهل يمكن أن ننتقد الأفكار دون تحويل أصحابها إلى خصوم؟
جريدة أصوات ترى أن الحقيقة لا تصنعها الحملات الرقمية، ولا تحسمها شعبية الأشخاص أو حجم الانتقادات الموجهة إليهم، وإنما تقوم على الدليل والقانون والاحتكام إلى المؤسسات المختصة.

التعليقات مغلقة.