تتجه أنظار المغاربة مجدداً نحو مصفاة لاسامير بالمحمدية، باعتبارها أحد الملفات الاستراتيجية التي ظلت معلقة لسنوات، في وقت تتواصل فيه الضغوط على القدرة الشرائية بسبب ارتفاع أسعار المحروقات وتكاليف التنقل والمعيشة. ومع تولي فاطمة الزهراء المنصوري رئاسة الحكومة، يعود السؤال بقوة: هل تملك الحكومة الجديدة الإرادة السياسية لفتح هذا الملف من جديد، والانتقال من مرحلة التصريحات والدراسات إلى البحث عن حل عملي يعيد للمغرب جزءاً من قدرته الوطنية على تكرير البترول؟
لم يعد ملف لاسامير مجرد قضية اقتصادية مرتبطة بمصفاة توقفت عن الإنتاج، بل أصبح موضوعاً يمس الأمن الطاقي والسيادة الاقتصادية والقدرة الشرائية للمواطنين. فالمغربي الذي يتوجه يومياً إلى عمله بسيارته، أو يعتمد على النقل المهني، أو يضطر إلى السفر بين المدن، أصبح يشعر بثقل أسعار الوقود على ميزانيته الشهرية.
وفي الوقت الذي تتأثر فيه الأسواق الدولية بالتوترات الجيوسياسية وتقلبات أسعار النفط، يجد المواطن المغربي نفسه أمام فاتورة محروقات لا يتحكم في أسباب ارتفاعها ولا يملك القدرة على تجنبها بسهولة.
لاسامير.. فرصة استراتيجية لا ينبغي أن تضيع
شكلت مصفاة المحمدية لعقود إحدى الركائز الصناعية والطاقية للمغرب، قبل أن تتوقف عن الإنتاج سنة 2015، لتدخل في مسار قضائي معقد ارتبط بالتصفية القضائية والديون والنزاعات المتعلقة بأصول الشركة.
واليوم، لم يعد مقبولاً أن يظل هذا الملف حبيس الانتظار، دون حسم واضح في مستقبله. فالمغرب يحتاج إلى تقييم جدي لإمكانية إعادة تشغيل المصفاة، أو اعتماد صيغة استثمارية جديدة تسمح بإعادة بناء قدراته في مجال التكرير والتخزين.
إن امتلاك قدرات وطنية للتكرير يمكن أن يعزز الأمن الطاقي، ويقلص بعض مخاطر الاعتماد الكامل على المنتجات المكررة المستوردة، ويفتح المجال أمام فرص صناعية وشغل جديدة. لكنه يحتاج إلى استثمارات كبيرة، وحل الإشكالات القانونية والتقنية والمالية والبيئية.
هل تتحرك حكومة فاطمة الزهراء المنصوري؟
أعادت التصريحات الحكومية الأخيرة ملف لاسامير إلى واجهة النقاش العمومي. فقد أكدت وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة شرفات أفيلال، خلال اجتماع برلماني يوم 4 نونبر 2026، أن إعادة تشغيل المصفاة تتطلب دراسة علمية دقيقة تشمل الجوانب القانونية والقضائية والتقنية والعقارية والبيئية والاقتصادية.
كما أوضحت أن القرار لا يمكن اختزاله في وعد بإعادة التشغيل خلال الشهر المقبل أو قبل نهاية السنة، وأن الأمر يحتاج إلى قرار حكومي جماعي يحدد الاختيار بين إعادة تشغيل المصفاة أو بناء محطة أخرى للتكرير.
وهنا تبرز مسؤولية رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري في قيادة التنسيق بين القطاعات المعنية، وتحويل النقاش إلى برنامج واضح، بجدول زمني وتقييم مالي وتقني معلن للرأي العام.
فالمغاربة لا ينتظرون تصريحات جديدة بقدر ما ينتظرون قرارات ملموسة تخفف عنهم أعباء المحروقات وتحمي قدرتهم الشرائية.
هل ستنعكس إعادة تشغيل المصفاة على أسعار البنزين والغازوال؟
ينبغي التعامل مع هذا السؤال بواقعية اقتصادية. فإعادة تشغيل لاسامير لن تعني بالضرورة انخفاضاً فورياً وتلقائياً في أسعار الوقود، لأن الأسعار تتأثر أيضاً بأسعار النفط الخام في الأسواق الدولية، وكلفة التكرير والنقل والتأمين والضرائب وهوامش التوزيع.
لكن وجود قدرة وطنية على التكرير يمكن أن يمنح المغرب هامشاً أكبر في تدبير الإمدادات، ويعزز المنافسة، ويقلل بعض المخاطر المرتبطة بالاعتماد على الاستيراد، شريطة أن يكون المشروع قابلاً للاستمرار اقتصادياً وأن تخضع سوق المحروقات لمراقبة فعالة وشفافة.
والسؤال الذي يجب أن تطرحه الحكومة ليس فقط: كم ستكلف إعادة تشغيل لاسامير؟ بل أيضاً: كم تكلف البلاد سنوياً هشاشة منظومتها الطاقية، وما قيمة الأمن الطاقي في حماية الاقتصاد والمواطن؟
المواطن يريد حلولاً لا وعوداً
إن الحكومة الجديدة مطالبة بأن تجعل ملف المحروقات من أولوياتها، لأن أثره لا يتوقف عند أصحاب السيارات، بل يمتد إلى النقل العمومي والمهني، وأسعار السلع والخدمات، وتكاليف الإنتاج والتوزيع.
فحين يرتفع ثمن الوقود، تتأثر قطاعات متعددة، ويجد المواطن نفسه أمام زيادات غير مباشرة في تكاليف حياته اليومية.
ومن حق المغاربة أن يطالبوا بتوضيح هوامش أرباح الفاعلين في القطاع، وتعزيز الشفافية في تحديد الأسعار، ومراقبة المنافسة، والبحث عن حلول وطنية تضمن استقرار الإمدادات وتحمي المستهلك.
إن إعادة فتح ملف لاسامير يجب ألا تكون مجرد شعار سياسي أو وعد ظرفي، بل مشروعاً وطنياً يخضع للمحاسبة والتقييم والشفافية، بعيداً عن المصالح الضيقة والحسابات التجارية.
الخلاصة: هل تعيد الحكومة للمغرب استقلاله الطاقي؟
تضع قضية لاسامير حكومة فاطمة الزهراء المنصوري أمام اختبار اقتصادي واجتماعي حقيقي. فإما أن يتحول هذا الملف إلى ورش وطني يعيد التفكير في مستقبل التكرير والتخزين والأمن الطاقي، وإما أن يستمر الانتظار بينما تظل جيوب المغاربة تتحمل أعباء تقلبات سوق المحروقات.
إن المطلوب ليس تقديم وعود غير واقعية بخفض الأسعار بمجرد تشغيل المصفاة، بل اتخاذ قرارات مسؤولة تضمن للمغرب قدرة أكبر على حماية إمداداته الطاقية، وتعزز المنافسة، وتخفف الضغط عن القدرة الشرائية.
فهل تمتلك حكومة المنصوري الجرأة السياسية لفتح ملف لاسامير بحلول عملية، وجعل المصلحة العامة فوق كل اعتبار؟
إن المواطن المغربي يريد أن يتحرك بسيارته بحرية، ويسافر بين المدن دون أن تتحول فاتورة البنزين إلى عقوبة مالية، ويريد سياسة طاقية تخدم الاقتصاد الوطني وتحمي جيوبه، لا أن يبقى رهينة تقلبات الأسواق الخارجية.
الأمن الطاقي ليس ترفاً اقتصادياً، بل قضية سيادة وكرامة وقدرة شرائية.

التعليقات مغلقة.