أربك الارتفاع المتواصل في تكاليف التنقل بالمغرب حسابات عدد كبير من الأسر، بعدما أصبحت الرحلات بين المدن تشكل عبئاً إضافياً على ميزانيات المواطنين، في ظل ارتفاع أسعار المحروقات وتكاليف استعمال الطريق السيار، وما يرافق السفر من مصاريف أخرى تثقل كاهل العائلات.
ولم يعد السفر بالنسبة إلى العديد من المغاربة مجرد وسيلة للترفيه أو قضاء العطل، بل أصبح وسيلة ضرورية لصلة الرحم وزيارة الآباء والأمهات والأقارب، خصوصاً بالنسبة إلى الأسر التي تفرقت بين المدن بسبب العمل أو الدراسة أو ظروف الحياة. غير أن ارتفاع تكلفة التنقل جعل عدداً من المواطنين يعيدون حساباته قبل تشغيل سياراتهم والانطلاق في رحلة كانت في السابق جزءاً من عاداتهم الاجتماعية.
فاليوم، أصبح رب الأسرة يفكر أكثر من مرة قبل أن يقرر السفر من مدينة إلى أخرى؛ فهناك تكلفة البنزين أو الغازوال، ورسوم الطريق السيار، ومصاريف الأكل والاستراحة، فضلاً عن مصاريف السيارة والصيانة. وعندما يتعلق الأمر بأسرة تضم عدة أفراد، تتحول الرحلة البسيطة إلى ميزانية قد تتجاوز قدرة الكثير من ذوي الدخل المحدود والمتوسط.
حين يصبح السفر مكلفاً.. تتراجع صلة الرحم
الأمر لا يتعلق فقط بتراجع الرحلات السياحية أو الترفيهية، بل يتجاوز ذلك إلى جانب اجتماعي وإنساني بالغ الأهمية. فكم من أسرة كانت تحرص على زيارة الوالدين في نهاية الأسبوع، وكم من أبناء كانوا يسافرون لزيارة أقاربهم في مدن بعيدة، أصبحوا اليوم يؤجلون هذه الزيارات بسبب ارتفاع مصاريف الطريق.
إن صلة الرحم لا ينبغي أن تتحول إلى امتياز مادي لا يستطيع ممارسته إلا أصحاب الدخل المرتفع. فالمواطن الذي يعمل في مدينة ويترك والديه في مدينة أخرى، أو الذي يعيش بعيداً عن أسرته، يحتاج إلى وسيلة نقل بتكلفة معقولة تسمح له بالحفاظ على روابطه العائلية.
وحين تصبح كلفة السفر عائقاً أمام هذه الروابط، فإن الأمر يستحق نقاشاً اقتصادياً واجتماعياً يتجاوز مجرد الحديث عن أسعار المحروقات.
الطريق السيار والمحروقات.. فاتورة ثقيلة
يجد مستعملو السيارات أنفسهم أمام معادلة صعبة، خصوصاً عند التنقل لمسافات طويلة. فارتفاع أسعار الوقود يرفع تكلفة الرحلة، فيما تضيف رسوم الطريق السيار مصروفاً آخر لا يمكن تجاهله.
ومن حق المواطن أن يتساءل عن مدى التوازن بين كلفة استعمال البنيات التحتية وقدرته الشرائية، وعن التدابير التي يمكن اتخاذها لتخفيف أعباء التنقل، خاصة بالنسبة إلى الأسر التي تضطر إلى السفر بشكل متكرر لأسباب عائلية أو مهنية.
فالمواطن لا يطلب امتيازات استثنائية، وإنما يبحث عن ظروف تنقل تحفظ كرامته وتراعي إمكاناته المالية.
هل تتحرك الحكومة لحماية القدرة الشرائية؟
تضع هذه التطورات الحكومة ووزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة ووزارة النقل واللوجستيك أمام مسؤولية البحث عن حلول عملية، لا تقتصر على مراقبة الأسعار، بل تشمل مراجعة مختلف التكاليف التي يتحملها المواطن أثناء تنقله بين المدن.
كما أن شركات النقل العمومي مطالبة بتوفير خدمات منتظمة وبأسعار مناسبة، حتى لا يصبح امتلاك سيارة خاصة شرطاً أساسياً للحفاظ على الروابط العائلية.
ومن الضروري أيضاً فتح نقاش حول إمكانية اعتماد عروض وتسهيلات في بعض الفترات لفائدة الأسر، وتشجيع النقل الجماعي، وتحسين الربط بين المدن، وتوفير بدائل اقتصادية وآمنة للمواطنين.
إن التنمية لا تقاس فقط بعدد الكيلومترات التي شيدت من الطرق السيارة، ولا بعدد السيارات التي تعبر محطات الأداء، بل تقاس أيضاً بمدى قدرة المواطن على استعمال هذه البنيات دون أن تتحول إلى عبء على ميزانيته.
هل أصبح لقاء العائلة يحتاج إلى ميزانية؟
إن أخطر ما يمكن أن ينتج عن غلاء التنقل هو أن يجد المواطن نفسه مضطراً إلى تقليص زياراته العائلية، وتأجيل لقاء والديه وأقاربه، والتخلي عن عادات اجتماعية شكلت على الدوام جزءاً من هوية المجتمع المغربي.
فالمغرب بلد الروابط العائلية والتضامن وصلة الرحم، ولا ينبغي أن تجعل تكاليف السفر المسافات بين المدن أكثر ثقلاً على المواطنين.
وعلى الحكومة أن تدرك أن القدرة الشرائية لا تتعلق فقط بأسعار المواد الغذائية والكهرباء والماء، بل تشمل أيضاً الحق في التنقل والسفر وزيارة الأسرة.
فهل تتحرك الحكومة لإيجاد حلول تخفف فاتورة المحروقات والتنقل ورسوم الطريق السيار، أم سيظل المواطن مضطراً إلى الاختيار بين مصاريف معيشته وبين زيارة أقاربه؟
إن المواطن يريد أن يعيش بكرامة، وأن يسافر دون خوف من فاتورة الطريق، وأن يزور والديه وأسرته دون أن تتحول صلة الرحم إلى عبء مالي جديد.

التعليقات مغلقة.