القوات المسلحة الملكية تعزز جاهزيتها الأممية.. الحماية الشاملة للمدنيين رهان استراتيجي في عمليات حفظ السلام
قراءة تحليلية أكاديمية في أبعاد الدورة التكوينية CPOC-26 ودورها في تطوير العقيدة العملياتية والإنسانية للقوات المسلحة الملكية
بقلم الأستاذ محمد عيدني – جريدة أصوات
في سياق التحولات المتسارعة التي تعرفها طبيعة النزاعات المسلحة والعمليات الدولية لحفظ السلام، تبرز حماية المدنيين باعتبارها أحد المحددات الأساسية لنجاح التدخلات العسكرية متعددة الأطراف، ولم تعد مجرد التزام قانوني أو إجراء إنساني موازٍ للعمل العسكري، بل أصبحت عنصراً مركزياً في التخطيط العملياتي وتقييم الأداء العسكري، وفي قياس مدى احترام القوات المشاركة لقواعد القانون الدولي الإنساني وقرارات الأمم المتحدة.
وفي هذا الإطار، احتضنت مدرسة اللغات التابعة للقوات المسلحة الملكية، خلال الفترة الممتدة من 26 إلى 30 أكتوبر 2026، الدورة التكوينية الأولى حول الحماية الشاملة للمدنيين، المعروفة اختصاراً بـ(CPOC-26)، بمشاركة أطر عسكرية ومكونين ومتدربين، في مبادرة تعكس الاهتمام بتطوير الكفاءات الوطنية في مجال حماية السكان المدنيين، وتعزيز الاستعداد لمتطلبات المشاركة في عمليات حفظ السلام الأممية.
وتكتسب هذه الدورة أهمية تتجاوز بعدها التكويني المباشر، بالنظر إلى طبيعة الموضوع الذي تعالجه، إذ أصبحت حماية المدنيين من أكثر الملفات تعقيداً في بيئات النزاع، حيث تتداخل الاعتبارات العسكرية والأمنية مع الأبعاد القانونية والإنسانية والسياسية، الأمر الذي يفرض على القوات العسكرية امتلاك معرفة دقيقة بالقواعد المنظمة للتدخل، والقدرة على اتخاذ قرارات عملياتية تراعي حماية السكان والبنية المدنية الأساسية.
أولاً: حماية المدنيين.. من الالتزام القانوني إلى العقيدة العملياتية
تقوم فلسفة الحماية الشاملة للمدنيين على مبدأ أساسي يتمثل في أن السكان المدنيين ليسوا طرفاً في العمليات القتالية، وأن حمايتهم يجب أن تكون حاضرة في مختلف مراحل التخطيط والتنفيذ والتقييم.
ويستند هذا التوجه إلى منظومة من القواعد القانونية الدولية، وفي مقدمتها اتفاقيات جنيف الأربع لسنة 1949 وبروتوكولاتها الإضافية، فضلاً عن قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بحماية المدنيين في النزاعات المسلحة.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في معرفة هذه النصوص، بل في القدرة على تحويلها إلى ممارسات ميدانية قابلة للتطبيق، خصوصاً في البيئات التي تتسم بتعدد الفاعلين المسلحين، وصعوبة التمييز بين المناطق المدنية والعسكرية، ووجود تهديدات غير تقليدية.
ومن هنا تتضح القيمة الاستراتيجية للتكوين المتخصص، باعتباره وسيلة لربط المعرفة القانونية بالقرار العسكري، وضمان إدماج الاعتبارات الإنسانية ضمن قواعد الاشتباك والتخطيط للمهام الميدانية.
ثانياً: حماية الأطفال والوقاية من العنف الجنسي.. البعد الإنساني في العمليات العسكرية
من بين المحاور التي تناولتها الدورة التكوينية الحماية الخاصة للأطفال والوقاية من العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات، وهما مجالان يحتلان مكانة متقدمة ضمن أولويات الأمم المتحدة في عمليات حفظ السلام.
فالطفل في مناطق النزاع يمثل إحدى أكثر الفئات تعرضاً للمخاطر، سواء من خلال التجنيد والاستغلال من طرف الجماعات المسلحة، أو الحرمان من التعليم والخدمات الصحية، أو التعرض للعنف والنزوح والانفصال عن الأسرة.
وتتطلب معالجة هذه التحديات تكويناً متخصصاً للعسكريين، يمكنهم من التعرف على مؤشرات الانتهاكات، والتعامل مع الأطفال المتضررين وفق مقاربة تحترم حقوقهم وكرامتهم، وتراعي خصوصية وضعهم القانوني والإنساني.
أما العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات، فيشكل بدوره أحد أخطر التهديدات التي تواجه المجتمعات المتضررة، لما يتركه من آثار نفسية واجتماعية طويلة الأمد، فضلاً عن انعكاساته على الاستقرار المجتمعي وإعادة بناء الثقة داخل المجتمعات الخارجة من النزاعات.
لذلك فإن إدراج هذه الموضوعات ضمن التكوين العسكري يعكس انتقالاً من التصور التقليدي للمهام العسكرية إلى تصور أكثر شمولاً، يجعل حماية الإنسان جزءاً لا يتجزأ من نجاح المهمة.
ثالثاً: مدرسة اللغات والقيمة الاستراتيجية للتكوين العسكري متعدد اللغات
إن احتضان مدرسة اللغات التابعة للقوات المسلحة الملكية لهذه الدورة يحمل دلالة مؤسساتية مهمة، بالنظر إلى الدور الذي تضطلع به الكفاءة اللغوية في العمليات العسكرية الدولية.
فالمشاركة في بعثات الأمم المتحدة تتطلب القدرة على التواصل مع القيادات الدولية، والسلطات المحلية، والمنظمات الإنسانية، والسكان المدنيين، فضلاً عن إعداد التقارير وتبادل المعلومات والتنسيق بين مختلف الوحدات المشاركة.
ولا يمكن تحقيق هذا المستوى من التنسيق دون امتلاك مهارات لغوية ومصطلحات قانونية وعملياتية دقيقة، تسمح بتفادي سوء الفهم وتضمن وضوح التعليمات والقرارات.
ومن هذا المنطلق، فإن الجمع بين التكوين اللغوي والمعرفة القانونية والتدريب العملياتي يشكل أحد المداخل الأساسية لإعداد الكفاءات العسكرية القادرة على العمل داخل بيئات دولية متعددة الثقافات والاختصاصات.
رابعاً: المغرب وعمليات حفظ السلام.. رصيد مؤسساتي ومسؤولية دولية
يتمتع المغرب بتجربة ممتدة في مجال المشاركة في عمليات حفظ السلام الأممية، وهي تجربة تعكس انخراط المملكة في الجهود الدولية الرامية إلى دعم الاستقرار والمساهمة في حماية السكان المتضررين من النزاعات.
وتشكل هذه المشاركة مسؤولية تتطلب الاستمرار في تطوير القدرات البشرية والمهنية، ومواكبة التحولات التي تعرفها طبيعة المهام الأممية، خاصة مع تزايد التحديات المرتبطة بحماية المدنيين، ومواجهة التهديدات غير التقليدية، والتنسيق مع الفاعلين المدنيين والإنسانيين.
ومن ثم، فإن تنظيم دورة CPOC-26 يمكن قراءته باعتباره استثماراً في الرأسمال البشري العسكري، وتوجهاً نحو تعزيز التخصص داخل المؤسسات العسكرية، بما ينسجم مع المعايير الدولية المعتمدة في مجال إعداد وتأهيل الأفراد المشاركين في عمليات حفظ السلام.
كما أن تطوير هذا النوع من التكوين يساهم في ترسيخ صورة المؤسسة العسكرية المغربية باعتبارها مؤسسة تجمع بين الانضباط والجاهزية العملياتية والوعي بالمسؤوليات القانونية والإنسانية المترتبة عن المشاركة في المهام الدولية.
خامساً: التحدي الحقيقي.. تحويل التكوين إلى ممارسة ميدانية
رغم أهمية الدورات التكوينية، فإن نجاحها لا يقاس بعدد المشاركين أو مدة تنظيمها فقط، بل بمدى قدرتها على إنتاج كفاءات تستطيع ترجمة المعارف المكتسبة إلى سلوك مهني وقرارات سليمة في الميدان.
وهنا تبرز أهمية اعتماد تدريبات تطبيقية تحاكي سيناريوهات واقعية، تشمل حماية المنشآت المدنية، وتأمين عمليات الإجلاء، والتعامل مع السكان النازحين، وتحديد المخاطر التي تهدد الأطفال والنساء، والتنسيق مع المنظمات الإنسانية.
كما يظل التقييم المستمر للقدرات المكتسبة، وتحديث البرامج التكوينية وفق الدروس المستخلصة من العمليات الدولية، من العناصر الضرورية لضمان استدامة النتائج.
إن الرهان لا يتعلق فقط بإعداد عسكري قادر على تنفيذ المهمة، بل بإعداد إطار عسكري يمتلك القدرة على فهم البيئة التي يعمل داخلها، وتقدير التداعيات الإنسانية لقراراته، والتصرف وفق القواعد القانونية والأخلاقية المنظمة للعمليات.
خاتمة: قوة المؤسسة العسكرية تقاس أيضاً بقدرتها على حماية الإنسان
إن احتضان مدرسة اللغات التابعة للقوات المسلحة الملكية للدورة الأولى حول الحماية الشاملة للمدنيين CPOC-26 يمثل محطة مهمة في مسار تطوير التكوين العسكري المتخصص، ويعكس وعياً متزايداً بأهمية البعد الإنساني والقانوني في العمليات العسكرية المعاصرة.
فالقوة العسكرية الحديثة لم تعد تقاس فقط بامتلاك المعدات والتكنولوجيا والقدرات القتالية، بل أصبحت تقاس كذلك بمستوى التأهيل البشري، واحترام القانون الدولي، والقدرة على حماية المدنيين في أصعب الظروف العملياتية.
ومن هذا المنطلق، فإن الاستثمار في تكوين الأطر العسكرية المغربية في مجال حماية المدنيين يشكل إضافة نوعية إلى الرصيد المؤسساتي للقوات المسلحة الملكية، ويعزز استعدادها لمواكبة متطلبات عمليات حفظ السلام والمساهمة في الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار.
ففي عالم تتزايد فيه النزاعات وتتسع فيه كلفة الحروب الإنسانية، تصبح حماية المدنيين معياراً من معايير الاحتراف العسكري، وتتحول المعرفة القانونية والإنسانية إلى عنصر من عناصر القوة الاستراتيجية للدولة.
جريدة أصوات – قراءة تحليلية، ومهنية في خدمة المعلومة.
التعليقات مغلقة.