في الوقت الذي يواجه فيه قطاع الصحافة والإعلام أزمات هيكلية خانقة، وينتظر فيه صناع الكلمة مبادرات جادة تحمي كرامتهم وتضمن حقوقهم الاجتماعية، يُصدم الجسم الصحفي بواقع مرير يحوّل “الحصن النقابي” إلى ما يشبه “دكان تجاري” لبيع وتوزيع صكوك الانتماء.
لقد قامت الفكرة النقابية تاريخياً على النضال، والترافع، وحماية شرف المهنة. لكن المشهد اليوم انحرف عند بعض التنظيمات التي استبدلت النضال بـ “البزنس”، وأصبح همّها الأكبر هو تحطيم الأرقام القياسية في أعداد المنخرطين وتوزيع البطاقات يميناً وشمالاً، دون أدنى اعتداد بالهوية المهنية.
تصل حدة المهزلة إلى ذروتها عندما تفتح هذه النقابات أبوابها مشرعة لكل من هبّ ودب؛ فاختلط الحابل بالنابل، وأصبح بائع الخضر، والميكانيكي، والجزار — مع كامل الاحترام لمهنهم الشريفة — يحملون بطاقات “صحفية” أو “نقابية” تُقدّم لهم في سوق سوداء للشعارات البراقة، مقابل “ولاءات انتخابية” أو “عائدات مالية” لتدبير صناديق تلك الإطارات.
عندما يصبح الانتماء النقابي مجرد “رقم” في لوائح الاستقطاب، تفقد الحركات المطلبية هيبتها، ويتحول العمل النقابي من قوة اقتراحية تفرض احترامها على صناع القرار، إلى مجرد مكتب “جباية” لبيع الأوهام والبطاقات الفخرية.
إن مصداقية أي تنظيم نقابي لا تُقاس بحجم الصور الجماعية في المؤتمرات، ولا بعدد البطاقات المطبوعة التي تُوزع كمنشورات دعاية، بل بالقدرة على حماية الصحفي الحقيقي، والمراسل الكادح، والمصور المعتمد الذي يواجه الميدان. وإذا استمر هذا التسليع الفج، فإننا لن نكون أمام “تعددية نقابية”، بل أمام “أسواق عشوائية” تجهز على ما تبقى من نبل صاحبة الجلالة.

السابق بوست
القادم بوست
التعليقات مغلقة.