أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

المغرب: إرث تاريخي في صناعة السلام

كمال سليمان سليماني

على إمتداد قرون، إرتبط اسم المغرب بأدوار سياسية و عسكرية و دبلوماسية هدفت إلى حماية الإستقرار و الدفاع عن القضايا العادلة. و لم يكن حضوره في الساحة الدولية وليد العصر الحديث، بل يمتد إلى حقب تاريخية لعب فيها المغاربة أدوارا مؤثرة في حماية المقدسات الإسلامية و المساهمة في ترسيخ الأمن، قبل أن يتحول هذا الإرث في العصر الحديث إلى مشاركة فاعلة في عمليات حفظ السلام و جهود الوساطة و العمل الإنساني.

_ حضور مغربي في القدس منذ القرن الثاني عشر

يعود أحد أبرز فصول هذا التاريخ إلى عهد الدولة الموحدية في القرن الثاني عشر، عندما إستجاب السلطان المغربي يعقوب المنصور الموحدي للنداءات الداعية إلى دعم المسلمين في المشرق خلال فترة الحروب الصليبية. و في إطار هذا التوجه، شاركت قوات مغربية في الدفاع عن القدس و محيطها إلى جانب القوى الإسلامية التي كانت تواجه الحملات الصليبية.

و قد إكتسب الجنود المغاربة سمعة طيبة بفضل شجاعتهم و إنضباطهم، و إستقر عدد منهم في مدينة القدس بعد إنتهاء المعارك، حيث تشكلت مع مرور الزمن نواة ما عُرف لاحقا بـ”حي المغاربة”، الذي أصبح أحد أبرز المعالم التاريخية للوجود المغربي في المدينة المقدسة و بوابتها الشهيرة “باب المغاربة الأمازيغ”، و إستمر قائمًا لعدة قرون قبل أن يُزال بعد حرب عام 1967.

و لم يكن هذا الحضور مجرد وجود عسكري، بل تحول إلى إمتداد حضاري و ثقافي و ديني، عكس عمق الروابط التاريخية التي جمعت المغرب بمدينة القدس و بالقضية الفلسطينية.

_ إرث تاريخي يتجدد في العصر الحديث

مع تطور النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، إنتقلت مساهمة المغرب في دعم السلام من ساحات القتال إلى إطار العمل الدولي المنظم، حيث أصبح من الدول المساهمة في بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.

و شارك الجيش المغربي في العديد من العمليات الأممية في إفريقيا و مناطق أخرى، و أسهم في حماية المدنيين، و مراقبة إتفاقيات وقف إطلاق النار، و دعم جهود إعادة الإستقرار في الدول الخارجة من النزاعات. و قد حظيت هذه المشاركات بتقدير دولي لما عرف عن أفراد القوات المسلحة الملكية من إحترافية و إنضباط و إحترام للقانون الدولي الإنساني.

_ الدبلوماسية المغربية و دعم القضية الفلسطينية

إلى جانب المشاركة العسكرية في مهام حفظ السلام، ظل المغرب حاضرا على الصعيد الدبلوماسي في الدفاع عن القضية الفلسطينية. فمن خلال رئاسة جلالة الملك محمد السادس للجنة القدس، و إصل المغرب دعم الحفاظ على الهوية التاريخية و الدينية للمدينة المقدسة، كما قدم مساعدات إنسانية و تنموية للفلسطينيين عبر مؤسسات متخصصة و مبادرات إنسانية متواصلة.

و تؤكد هذه الجهود أن المقاربة المغربية لا تقتصر على الجانب السياسي، بل تشمل أيضا الأبعاد الإنسانية و التنموية، بإعتبار أن تحقيق السلام الدائم يرتبط بتحسين ظروف عيش السكان و دعم صمودهم.

_ غزة بين الواقع و الطموح

و مع إستمرار الأزمات التي تعرفها غزة، تبرز بين الحين و الآخر مقترحات دولية تتعلق بإمكانية إنشاء قوة لحفظ السلام دولية تحت إشراف مجلس السلام العالمي، في حال التوصل إلى إتفاق سياسي شامل يحظى بقبول جميع الأطراف المعنية.

و في حال إرسال مثل هذه القوة في الأيام القليلة المقبلة إلى غزة، فإن المغرب يُعد من الدول التي تمتلك الخبرة و الكفاءة للمشاركة فيها، بالنظر إلى سجله الطويل في عمليات حفظ السلام الدولية، و خبرته العسكرية، و علاقاته المتوازنة مع مختلف الأطراف، إضافة إلى مكانته الخاصة بين الدول العربية و الإفريقية و الإسلامية و غيرها، فإنه يعكس إستمرار الرهان على الدول التي راكمت تجربة في دعم الأمن و الإستقرار، و حيث يأتي المغرب في مقدمتها.

_ رؤية ثابتة لصناعة السلام

لقد أثبت التاريخ أن مساهمة المملكة المغربية في دعم السلام لم تكن مرتبطة بمرحلة زمنية محددة، بل شكلت خيارا إستراتيجيًا إمتد من العصور الوسطى إلى العصر الحديث. فمن مشاركة المغاربة في الدفاع عن القدس خلال القرن الثاني عشر، إلى إنخراط المملكة في بعثات الأمم المتحدة، مرورا بجهودها الدبلوماسية و الإنسانية في خدمة القضية الفلسطينية، حافظ المغرب على نهج يقوم على دعم الإستقرار و تغليب الحوار و إحترام الشرعية الدولية.

و بين صفحات التاريخ و وقائع الحاضر، يتواصل هذا الدور المغربي بإعتباره جزءا من سياسة خارجية تسعى إلى تعزيز الأمن الإقليمي و الدولي، و إبقاء السلام هدفا تتكامل من أجله الجهود العسكرية و الدبلوماسية و الإنسانية، بما ينسجم مع الإرث التاريخي للمملكة و مكانتها على الساحة الدولية.

التعليقات مغلقة.