متى تتحرك السلطات ضد «عرض المفاتن»؟
بقلم الأستاذ محمد عيدني
تتسع رقعة النقاش في المغرب حول ما يُنشر يومياً عبر منصات التواصل الاجتماعي، بعدما تحولت بعض الحسابات من فضاء للتواصل والتعبير إلى مجال مفتوح لاستعراض محتويات مثيرة للجدل، هدفها الأساسي استقطاب المشاهدات وتحقيق الأرباح السريعة، ولو كان ذلك على حساب الذوق العام والخصوصية والقيم المجتمعية.
ولم يعد الأمر يتعلق، في حالات معينة، بمجرد اختيار شخصي لطريقة الظهور أمام الكاميرا، وإنما بمحتوى يُبنى منذ البداية على الإثارة وجذب الانتباه واستثمار الجسد والمشاهد الصادمة لتحقيق أكبر عدد ممكن من المشاهدات والتفاعلات، ثم تحويل تلك الأرقام إلى مداخيل وإعلانات وشهرة رقمية.
وهنا يطرح المغاربة سؤالاً مشروعاً: متى تنتهي حرية التعبير، وتبدأ مسؤولية الفرد أمام القانون والمجتمع؟
حين يتحول «البوز» إلى تجارة
أصبحت بعض المنصات الرقمية تكافئ المحتوى الأكثر إثارة، لا الأكثر قيمة. فكلما ارتفعت المشاهدات، ارتفعت فرص الانتشار والإعلانات وتحقيق العائدات، وهو ما يدفع بعض صناع المحتوى إلى البحث عن أقصر الطرق نحو الشهرة.
ويتحول الجسد في هذه الحالة من جزء من خصوصية الإنسان إلى أداة تسويقية تستعمل لاستدراج المشاهد، فيما يصبح «البوز» غاية في حد ذاته، بصرف النظر عن مضمون الرسالة أو آثارها الاجتماعية.
ولا يمكن، في المقابل، وضع كل النساء أو كل المؤثرين في السلة نفسها؛ فهناك مغربيات حققن نجاحات كبيرة في العلم والرياضة والفن والمقاولة والإعلام والعمل الجمعوي، واستطعن تقديم صورة مشرقة عن المرأة المغربية وقدرتها على العطاء والنجاح.
المشكلة إذن ليست في المرأة ولا في حضورها الرقمي، وإنما في المحتوى الذي يتعمد تحويل الإثارة إلى وسيلة للربح والشهرة، عندما يتجاوز الحدود التي يرسمها القانون وتحميها القواعد العامة للمجتمع.
المرأة المغربية ليست سلعة رقمية
لطالما قدمت المرأة المغربية نماذج ناجحة في مختلف المجالات، وأسهمت في بناء المجتمع إلى جانب الرجل، وحملت مسؤوليات أسرية ومهنية ووطنية تستحق الاحترام والتقدير.
ومن الخطأ أن تختزل صورة المرأة المغربية في بعض المقاطع المثيرة التي تنتشر لساعات على منصات التواصل، لأن تلك الصورة لا تمثل ملايين النساء اللواتي يعملن بصمت، ويكافحن من أجل أسرهن، ويحققن النجاح في مواقع المسؤولية والبحث العلمي والطب والتعليم والقضاء والرياضة وريادة الأعمال وغيرها.
لذلك فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يتحول إلى محاكمة للمرأة أو إلى خطاب ضد حرية النساء في التعبير عن أنفسهن، بل ينبغي أن يتجه نحو المسؤولية عن المحتوى المنشور، وحدود المشروعية، وحماية القاصرين، ومنع الاستغلال التجاري للإثارة عندما يتحول إلى إساءة أو خرق للقانون.
أين تقف حرية التعبير؟
تحتاج معركة الفضاء الرقمي إلى قدر كبير من التوازن.
فحرية التعبير حق أساسي، لكن لا تعني أن الفضاء الإلكتروني أصبح منطقة بلا قانون أو مسؤولية. وكما أن الصحافة والإعلام يخضعان لقواعد مهنية وقانونية، فإن المحتوى الرقمي الذي قد يترتب عنه ضرر للغير أو مساس بحقوق الآخرين أو خرق للقوانين لا يمكن أن يحتمي دائماً بشعار «الحرية».
وهنا يأتي دور المؤسسات المختصة في التمييز بين المحتوى الجريء والمحتوى المخالف للقانون، وبين التعبير الشخصي والاستغلال التجاري المتعمد للإثارة، وبين النقد المشروع والمحتوى الذي قد يمس بالحقوق أو الكرامة أو النظام العام.
المطلوب ليس مطاردة الأشخاص بسبب مظهرهم، وإنما تطبيق القانون على الأفعال والمحتويات التي تستوفي شروط التجريم، وبمساطر واضحة تضمن الحقوق والحريات.
هل يكفي أن نلوم صناع المحتوى؟
ربما يكون من السهل توجيه أصابع الاتهام إلى أصحاب الحسابات، لكن الحقيقة أن منظومة «الربح من المشاهدة» تقوم على طرفين: من ينتج المحتوى، ومن يمنحه المشاهدة والتفاعل.
فالمحتوى الذي لا يجد جمهوراً واسعاً يفقد جزءاً كبيراً من قدرته على الانتشار.
ومن هنا، فإن المسؤولية تقع أيضاً على المستخدم الذي يشارك المقاطع المثيرة، ويعيد نشرها، ويكتب التعليقات، ويمنحها مزيداً من الانتشار.
المشاهدات عملة العصر الرقمي، وكل مشاهدة تمنح محتوى ما فرصة جديدة للبقاء والانتشار.
لذلك فإن مواجهة المحتوى الهابط لا تكون دائماً بالمنع والعقوبة، وإنما تبدأ أيضاً من وعي المواطن بأن «الترند» ليس بريئاً دائماً، وأن إعادة نشر مقطع مسيء قد تجعل صاحبه أكثر شهرة وربحاً.
وماذا عن المنصات الرقمية؟
لا يمكن تحميل الأفراد وحدهم مسؤولية ما يحدث.
فالمنصات الكبرى أصبحت تمتلك خوارزميات قادرة على تحديد نوعية المحتوى الذي يجذب المستخدمين، وتستطيع كذلك تطوير آليات أكثر فعالية لمواجهة المحتويات المخالفة لشروط الاستخدام، خصوصاً عندما يتعلق الأمر باستغلال القاصرين أو المحتويات الجنسية الصريحة أو الابتزاز أو التشهير أو الاتجار بالمحتوى الحميمي.
وهنا تبرز الحاجة إلى تعاون أكبر بين المؤسسات المختصة والمنصات الرقمية، بما يضمن احترام القانون المغربي، ويحمي المستخدمين، ويمنع تحول الخوارزميات إلى آلة تكافئ الإثارة على حساب المحتوى المفيد.
لا نريد رقابة على المجتمع… بل مسؤولية أمام القانون
إن المطالبة بتطبيق القانون لا تعني الدعوة إلى التضييق على الحريات أو فرض نموذج واحد للعيش أو اللباس أو التعبير.
المغرب مجتمع متنوع، وفضاؤه الثقافي والفني والإعلامي يعرف تعدداً كبيراً في الآراء والأذواق.
لكن التنوع لا يعني غياب المسؤولية.
فكما أن المواطن مطالب باحترام القانون في الشارع، فإنه مطالب باحترامه أيضاً عندما يدخل العالم الرقمي. وكما أن وسائل الإعلام تخضع للمساءلة عندما تتجاوز القانون، فإن صانع المحتوى الذي يحول هاتفه إلى وسيلة للنشر أمام ملايين المتابعين لا يمكن أن يتصرف وكأن عدد المتابعين يمنحه حصانة.
أين هي السلطات؟
السؤال الذي يطرحه عدد متزايد من المغاربة ليس: لماذا لا تمنعون كل محتوى لا يعجبنا؟
بل السؤال الأكثر دقة هو:
متى تتحرك الجهات المختصة عندما يتحول المحتوى الرقمي إلى نشاط يشتبه في مخالفته للقانون؟
المطلوب هو تفعيل القانون بشكل انتقائي من حيث الأفعال، لا الأشخاص؛ فلا أحد فوق القانون، ولا ينبغي في المقابل أن يصبح الاختلاف في الذوق سبباً للعقاب.
كما أن أي تدخل يجب أن يستند إلى معايير قانونية واضحة، وإلى مساطر تحترم قرينة البراءة وحقوق الدفاع والحريات التي يكفلها الدستور.
«الترند» لا يجب أن يصبح بديلاً عن القيمة
لقد حان الوقت لطرح سؤال أكبر من مجرد «عرض المفاتن».
أي مجتمع نريد أن نصنعه عبر شاشات هواتفنا؟
هل نريد أن نكافئ العلم والعمل والإبداع والرياضة والمبادرات الاجتماعية، أم نريد أن تصبح الإثارة أسرع طريق إلى الشهرة والمال؟
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في فيديو واحد أو حساب واحد، وإنما في منظومة رقمية كاملة قد تجعل من التفاهة مشروعاً تجارياً ناجحاً، ومن الإثارة سلعة رائجة، ومن عدد المشاهدات معياراً للقيمة.
وهنا يصبح دور الأسرة والمدرسة والإعلام والمجتمع المدني والمنصات الرقمية والمؤسسات العمومية أساسياً في بناء وعي رقمي جديد.
كلمة أخيرة
لا تحتاج المرأة المغربية إلى من يدافع عنها بخطاب يضعها في مواجهة المجتمع، كما أنها لا تحتاج إلى أن تُختزل صورتها في الجدل حول اللباس أو المظهر.
إنها تحتاج إلى أن تُرى كما هي في واقعها الحقيقي: امرأة عاملة، وأم، وطبيبة، وأستاذة، وقاضية، ومهندسة، ورياضية، ومقاولة، وفنانة، وباحثة، وفاعلة في المجتمع.
أما من يختار صناعة محتوى يقوم على الإثارة من أجل الربح، فليتحمل مسؤولية اختياره، شأنه شأن أي شخص يمارس نشاطاً علنياً قد تترتب عنه آثار قانونية.
ويبقى السؤال مفتوحاً أمام السلطات والمنصات والمجتمع:
هل نترك خوارزميات الربح تحدد وحدها ما يراه المغاربة، أم نضع قواعد واضحة تجعل الفضاء الرقمي أكثر احتراماً للإنسان والقانون والقيم؟
فالفضاء الرقمي ليس خارج المجتمع، والحرية ليست غياباً للمسؤولية، والربح لا ينبغي أن يكون مبرراً لتحويل الإنسان وكرامته إلى مجرد سلعة لجذب المشاهدات.

التعليقات مغلقة.